تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نيل المرام من تفسير آيات الأحكام — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
تركه كالنساء والصبيان « 1 » ، ومن يؤخذ منه الجزية « 2 » . وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة . وقيل : إن هذه الآية ناسخة لقوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[ التوبة : 5 ] ، روي ذلك عن عطاء وغيره . وقال كثير من العلماء : إن الآية محكمة وإن الإمام مخير بين القتل والأسر ، وبعد الأسر مخير بين المن والفداء . وبه قال مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبو عبيد وغيرهم ؛ وهذا هو الراجح ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والخلفاء الراشدين من بعده فعلوا ذلك « 3 » . وقال سعيد بن جبير : لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف لقوله :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
[ الأنفال : 67 ] ، فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره « 4 » . [ الآية الثانية ]
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ( 35 )
.
فَلا تَهِنُوا
: أي لا تضعفوا عن القتال .
هامش
( 1 ) دلّ على ذلك ما أخرجه البخاري ( 6 / 148 ) ، ومسلم ( 12 / 48 ) عن ابن عمر قوله مرفوعا : « وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فنهى رسول اللّه عن قتل النساء والصبيان » . ( 2 ) دلّ على ذلك قوله عزّ وجل :حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 29 )[ التوبة : 29 ] . ( 3 ) قال القاضي محمد بن العربي رحمه اللّه : « والآية محكمة ليس للنسخ فيها طريق ، لا من آيات القتال ولا من غيرها ، لأن النسخ كما بينا إنما يكون بشروط منها المعارضة ومنها معرفة التاريخ ، ولا تاريخ هاهنا يعلم ، ولا معارضة بين الآيتين ، لأن آيات القتال هي معنى قوله تعالى :فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِفأمر بالقتال ثم قال :حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَثم منوا بعد ذلك عليهم أو فادوهم ، وقد منّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على ثمامة بن أثال وأطلقه ، وقال في أسارى بدر : « لو كان المطعم بن عدي حيّا وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له » والإمام مخير في الأسرى بين خمسة أشياء : إما القتل أو المنّ أو الفداء أو الرّق أو إقرارهم على الجزية ، وبه قال جماعة . روى أبو حنيفة الإمام لا يمن إلا من جهة الآية ، ولكن زعم أن في المنّ إتلاف حق الغانمين ، وهذا يبطل بالقتل ، فإن له أن يقتل جميعهم وفي ذلك إتلاف حقهم ، ويبطل أيضا بما قدمناه من الأدلة واللّه أعلم . ( الناسخ والمنسوخ 2 / 872 ، 873 ) . والأحكام ( 4 / 1688 ) . ( 4 ) ذكر قول سعيد بن جبير القرطبي في « تفسيره » ( 16 / 228 ) ، والسيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 46 ) . بنحوه .