تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نيل المرام من تفسير آيات الأحكام — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
ولو انحازوا لانحازوا إلى المشركين ، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم ولا لهم فئة إلا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؛ فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض . وبه قال أبو حنيفة . قالوا : ويؤيده قوله :
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ
فإنه إشارة إلى يوم بدر . وقيل : إن هذه الآية منسوخة بآية الضعف « 1 » . وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية محكمة عامة غير خاصة ، وأن الفرار من الزحف محرم ؛ ويؤيد هذا أن هذه الآية نزلت بعد انقضاء الحرب في يوم بدر . فأجيب عن قول الأولين : إن الإشارة في يومئذ إلى يوم بدر بأن الإشارة إلى يوم الزحف ، كما يفيده السياق ، ولا منافاة بين هذه الآية وآية الضعف ، بل هذه الآية مقيدة بها ، ويكون الفرار من الزحف محرما بشرط بينه اللّه في آية الضعف . ولا وجه لما ذكروه من أنه لم يكن في الأرض يوم بدر مسلمون غير من حضرها ، فقد كان بالمدينة إذ ذاك خلق كثير ، لم يأمرهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالخروج ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ومن خرج معه لم يكونوا يرون - في الابتداء - أنه سيكون قتال . ويؤيد هذا ما ورد من الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن الفرار من الزحف من جملة الكبائر كما في حديث : « اجتنبوا السبع الموبقات » « 2 » وفيه التولي يوم الزحف ، ونحوه من الأحاديث . وهذا البحث تطول ذيوله وتتشعب طرقه وهو مبين في مواطنه . قال ابن عطية : والأدبار : جمع دبر ؛ والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة في
هامش
( 1 ) قال القاضي ابن العربي : « قال بعضهم : والنسخ في هذا لا يجوز لأنه وعيد ، والوعيد لا ينسخ لأنه خبر . واختلف الناس في المراد بهذه الآية على قولين أحدهما : أنها في يوم بدر خاصّة ، وهو اختيار الحسن ، وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وقيل : هي عامة في الأزمنة مخصوصة في العدد ، لقوله تعالى :فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِوالصحيح عمومها لوجهين : أحدهما : أنه ظاهر القرآن ، لقوله تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ( 15 ) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُيعني يوم الزحف . وثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه عدّ الكبائر فقال : والفرار من الزحف وهذا نص لا غبار عليه . وانظر : الناسخ والمنسوخ ( 2 / 228 ، 229 ) ، والأحكام ( 2 / 832 ) . ( 2 ) حديث صحيح : رواه البخاري ( 5 / 393 ) ، ( 12 / 181 ) ، ومسلم ( 2 / 82 ، 83 ) .