تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
الباطل ، والحجة من الشبهة ،
وَالْمِيزانَ
هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال البدنية ، وهو الذي يتميز به العدل عن الظلم والزائد عن الناقص ،
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
أي ليتعاملوا فيما بينهم بالعدل ،
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ
أي قوة شديدة وهو زاجر للخلق عما لا ينبغي . والحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية ، والميزان إشارة إلى القوة العملية والحديد إشارة إلى دفع ما لا ينبغي .
وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
أي لأمتعتهم مثل السكاكين ، والفاس ، والمبرد وغير ذلك ، وما من صنعة إلا والحديد آلتها ،
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ
أي وليعلم اللّه من ينصر دينه ورسله باستعمال السيوف ، والرماح ، وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين ، حال كونه تعالى غائبا عنهم ، أي ينصرونه تعالى ولا يبصرونه ،
إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ
على الأمور قادر على إهلاك جميع أعدائه ،
عَزِيزٌ
( 25 ) أي لا يمانع ولا يفتقر إلى نصرة أحد بل وإنما ليصلوا بامتثال الأمر في الجهاد إلى الثواب ،
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ
فما جاء بعدهما أحد بالنبوة ، إلّا وكان من أولادهما ، وكانت الكتب الأربعة في ذرية إبراهيم ، وهو من ذرية نوح ، فإنه الأب الثاني لجميع البشر ،
فَمِنْهُمْ
أي الذرية
مُهْتَدٍ
إلى الحق
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
( 26 ) ، أي خارجون عن الطريق المستقيم
ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ
، أي نوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم
بِرُسُلِنا
أي أرسلنا بعضهم بعد بعض إلى أن انتهى إلى أيام عيسى عليه السلام ،
وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
، أي جعلناه متأخرا عنهم في الزمان
وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ
أي أعطيناه الإنجيل . وقرأ الحسن بفتح همزة « إنجيل » تنبيها على كونه أعجميا ، وأنه لا يلزم فيه مراعاة أبنية العرب
وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
على دينه
رَأْفَةً
أي لينا
وَرَحْمَةً
، أي شفقة أي وفقناهم للتراحم والتعاطف بينهم . وقرئ « رآفة » على وزن فعالة ،
وَرَهْبانِيَّةً
. وقرئ بضم الراء
ابْتَدَعُوها
، أي أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها أي وفقناهم لاستحداث الرهبانية لينجوا من فتنة بولس اليهودي . و روى ابن مسعود أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يا ابن مسعود ، أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلّا ثلاث فرق : فرقة آمنت بعيسى عليه السلام وقاتلوا أعداء اللّه في نصرته حتى قتلوا ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي » « 1 » .
ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ
أي لم نفرض الرهبانية عليهم . وهذه الجملة صفة ثانية لرهبانية ،
إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ
أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان اللّه ،
فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها
أي فما حفظوا الرهبانية حق حفظها ، لأنهم أتوها
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ( 10 : 212 ) ، وابن كثير في التفسير ( 8 : 55 ) وفيه : « يا ابن مسعود ، هل علمت . . . اثنين وسبعين » .