تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
تعالى عالما بكل شيء ، علموا كونه تعالى عالما بظواهرهم ، وبواطنهم ، فكان ذلك داعيا لهم إلى نهاية الخضوع وكمال العبودية .
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
. أي لمن هو مرضي عند اللّه ، وهو من قال : « لا إله إلا اللّه » ، ولا يشفعون لمن لم يأذن اللّه بشفاعته مهابة من اللّه تعالى .
وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ
تعالى
مُشْفِقُونَ
( 28 ) ، أي مرتعدون ، فلا يأمنون من مكره تعالى وهم خائفون أن يؤاخذهم اللّه بما قالوا ، أو بما عملوا . وهذه المذكورات صفات للعبيد ، لا صفات للأولاد .
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ
، أي الملائكة
إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ
، أي من غير اللّه
فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ
، فلا ينفعهم ما ذكر من صفاتهم السنيّة وأفعالهم المرضية ، وهذا على سبيل التقدير ، إذ لم يقع من واحد من الملائكة أنه قال ما ذكر وفي ذلك دلالة على قوة ملكوته تعالى وعزة جبروته .
كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
( 29 ) . أي مثل ذلك الجزاء نجزي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي ألم يتفكروا ولم يعلموا ،
أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً
أي مستوية صلبة ملتزقا بعضها على بعض ، لم تنزل من السماء قطرة من مطر ، ولم ينبت على الأرض شيء من النبات ،
فَفَتَقْناهُما
أي شققنا السماء بنزول المطر منها ، وشققنا الأرض بظهور النبات عليها . وقرأ ابن كثير « ألم ير » بغير واو ، بين الهمزة « ولم » .
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
أي خلقنا من ماء الذكر والأنثى ، كل حيوان . أو صيّرنا كل شيء حييّ بسبب من الماء لا بدّله من ذلك وقرئ حيا بالنصب مفعولا ثانيا
أَ فَلا يُؤْمِنُونَ
( 30 ) أي ألا يتدبرون هذه الأدلة فلا يؤمنون بتوحيدي !
وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ
أي جبالا ثوابت أوتادا لها
أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ
، أي كراهة أن تتحرك بهم . قال ابن عباس : إن الأرض بسطت على الماء ، فكانت تتكفأ بأهلها ، كما تتكفأ السفينة ، فأرساها اللّه تعالى بالجبال الثقال ،
وَجَعَلْنا فِيها
أي في الجبال
فِجاجاً
أي مسالك واسعة
سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
( 31 ) ، أي لكي يهتدوا إلى منافعهم ، وإلى وحدانية اللّه بالاستدلال .
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً
على الأرض ،
مَحْفُوظاً
من السقوط ومن الشياطين بالشهب ،
وَهُمْ عَنْ آياتِها
أي عن الآيات الكائنة فيها ، الدالة على وحدانية اللّه تعالى ، وعلمه ، وقدرته ، وإرادته ،
مُعْرِضُونَ
( 32 ) . لا يتفكرون فيبقون على الكفر والضلال .
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ
، أي كل واحد منهما
فِي فَلَكٍ
أي طاحونة مستديرة كهيئة فلك المغزل ،
يَسْبَحُونَ
( 33 ) أي يسيرون في سطح الفلك كالسبح في الماء . والجملة حال من الشمس والقمر ، والجمع باعتبار المطالع .
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
، أي البقاء في الدنيا ،
أَ فَإِنْ مِتَّ
، يا أشرف الخلق ،
فَهُمُ الْخالِدُونَ
( 34 ) . في الدنيا أي إن متّ أنت يا خاتم الرسل ، أيبقى هؤلاء حتى يشمتوا بموتك . نزلت هذه الآية في قولهم ننتظر محمدا حتى يموت فنستريح . ويحتمل أنه لما ظهر أنه صلّى اللّه عليه وسلّم
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 49 | محمد أمين الضناوي / الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي