تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
الشركاء له تعالى ، وقرأ ابن عباس « أفكهم » بفتح الهمزة وسكون الفاء ، وقرأ عكرمة ، والصباح « أفكهم » على صيغة الماضي أي ، وذلك الاتخاذ الذي هو ضياع آلهتهم عنهم ثمرته صرفهم عن الحق ، وقرأ أبو عياض ، وعكرمة أيضا « أفكهم » بتشديد الفاء ، وابن الزبير ، وابن عباس أيضا « آفكهم » بمد الهمزة أي جعلهم آفكين ، وقرأ ابن عباس أيضا « آفكهم » على صيغة اسم الفاعل بمعنى صارفهم
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ
أي واذكر لقومك إذ وجهنا إليك جماعة كائنة من جن نصيبين في الجزيرة ، وهي بين الشام والعراق
يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ
أي القرآن عند تلاوته
قالُوا
أي قال بعضهم لبعض
أَنْصِتُوا
أي اسكتوا لنسمعه . روي أن الجن كانت تسترق السمع ، فلما حرست السماء ، ورجموا بالشهب قالوا : ما هذا إلّا لنبأ حدث ، فنهض سبعة من نفر من أشراف جن نصيبين منهم : زوبعة ، فسافروا حتى بلغوا تهامة ، ثم اندفعوا إلى وادي نخلة فوافوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو قائم في جوف الليل يصلي ، فاستمعوا لقراءته وذلك عند رجوعه من الطائف وذلك في السنة الحادية عشرة من النبوة ،
فَلَمَّا قُضِيَ
أي فرغ من تلاوة القرآن ، وقرأ أبو مجلز ، وأبو حبيب بن عبد اللّه « قضى » بالبناء للفاعل أي أتم الرسول قراءته ،
وَلَّوْا
أي رجعوا
إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ
( 29 ) . روى محمد بن جرير الطبري عن ابن عباس : أن أولئك الجن كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رسلا إلى قومهم .
قالُوا
عند رجوعهم إلى قومهم
يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً
أي قرآنا يقرأ
أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى
. روي عن عطاء ، والحسن : إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يهودا ، وعن ابن عباس أن الجن ما سمعت أمر عيسى عليه السلام
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
أي لما قبله من كتب الأنبياء
يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ
من العقائد
وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ
( 30 ) أي موصل إلى المقصود وهي الأعمال الصالحة
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ
محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أو كتابه ،
وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
أي يغفر اللّه بعض ذنوبكم ، وهو حق اللّه تعالى ، وحق الحربيين ، فهو يغفر بمجرد إسلام الظالم ولا يتوقف على الاستحلال من المظلوم الحربي ، أما مظالم العباد غير الحربيين فلا تغفر إلّا برضا أصحابها وهذه الآية تدل على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان مبعوثا إلى الجن كما كان مبعوثا إلى الإنس . قال مقاتل : ولم يبعث اللّه نبيا إلى الإنس ، والجن قبله صلّى اللّه عليه وسلّم ،
وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
( 31 ) أي ويمنعكم اللّه من عذاب أليم معد للكفرة . قال ابن عباس : فاستجاب لهم من قومهم نحو سبعين رجلا من الجن ، فرجعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوافوه في البطحاء ، فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم ،
وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ
محمدا أو من يبلغ عنه
فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ
له تعالى
فِي الْأَرْضِ
بهرب وإن هرب كل مهرب من أقطارها ، أو دخل في أعماقها ،
وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ
أي من غير اللّه
أَوْلِياءُ
أي أنصار يدفعون عنه العذاب بالاستشفاع له ، أو الافتداء به
أُولئِكَ
أي من لا يجيبون داعي اللّه
فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 32 ) أي ظاهر ، وهذا آخر كلام الجن الذين سمعوا القرآن ،