تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
والمعنى أنهم لما سمعوا الآيات ، بينات الإعجاز ، وعجزوا عن معارضتها ، شرعوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا ، فرد اللّه عليهم ذلك بقوله تعالى :
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ
، أي كثيرا أهلكنا بفنون العذاب قبل هؤلاء القريش ، من أمم عاتية كعاد ، وثمود وأمثالهم ،
هُمْ أَحْسَنُ
من هؤلاء
أَثاثاً
أي أمتعة
وَرِءْياً
( 74 ) ، أي منظرا ، أي فهم أفضل من هؤلاء فيما يفتخرون به ، ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا لما فعلنا بهم ما فعلنا ، أي فإن ما أنتم أيها الكفار فيه من النعم ، محض استدراج لم ينفعكم الترفه شيئا عند نزول البلاء بكم ، كما وقع للأمم الماضية ، حيث كانوا في رفاهية أكثر منكم ، ومع ذلك أهلكهم اللّه بكفرهم ، ولم ينفعهم الترفه شيئا
قُلْ
يا أشرف الرسل لهؤلاء المفتخرين بما لهم من حظوظ :
مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا
، وهذا الأمر بمعنى الخبر ، أي من كان مستقرا في الضلالة ، مغمورا بالجهل والغفلة عن عواقب الأمور ، فيمهله اللّه بطول العمر ، وبسط المال ، وإنفاقه فيما يستلذّ به من الأوزار ، ولا يزال يمدّ له استدراجا وقطعا للمعاذير يوم القيامة .
حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ
، من اللّه تعالى
إِمَّا الْعَذابَ
الدنيوي بغلبة المسلمين عليهم ، وتعذيبهم إياهم قتلا وأسرا ،
وَإِمَّا السَّاعَةَ
، أي ما نالهم يوم القيامة من الخزي والنكال .
فَسَيَعْلَمُونَ
حينئذ ،
مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً
أي منزلا من الفريقين
وَأَضْعَفُ جُنْداً
( 75 ) ، أي أقلّ ناصرا ، أهم أم المؤمنون . وهذا ردّ لما كانوا يزعمون أن لهم أنصارا من الأخيار ، ويفتخرون بذلك في المحافل ،
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا
بالإيمان ،
هُدىً
أي بالإخلاص ، وبالعبادات المتفرعة على الإيمان ، وبالثواب على ذلك الإيمان .
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ
، أي الطاعات التي تبقى فوائدها
خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً
أي فائدة مما يتمتع به الكفرة من النعم الفانية التي يفتخرون بها
وَخَيْرٌ مَرَدًّا
( 76 ) أي عاقبة .
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ ؟ ؟ ؟ بِآياتِنا
، الناطقة بالبعث ، وهو العاص بن وائل السهمي ،
وَقالَ
لخباب بن الأرت :
لَأُوتَيَنَّ
في الآخرة
مالًا وَوَلَداً
( 77 ) . نزلت هذه الآية في شأن العاص بن وائل ، عن خباب قال : كان لي على العاص بن وائل دين ، فأتيته أقتضيه ، فقال لي : لن أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : لن أكفر به ، حتى تموت ثم تبعث . قال : وإني لمبعوث من بعد الموت ، قلت : نعم ، قال : إني إذا بعثت وجئتني فسيكون لي ثمّ مال وولد ، فأعطيك . وقرأ حمزة والكسائي « وولدا » بضم الواو وسكون اللام . وقيل : صاغ خباب للعاص حليا فطلب الأجرة ، فقال : إنكم تزعمون أنكم تبعثون ، وأن في الجنة ذهبا ، وفضة ، وحرير ، أفأنا أقضيك ، ثم فإني أوتى مالا وولدا حينئذ فأجاب اللّه تعالى عن كلامه بقوله تعالى :
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ
أي أعلم الغيب ، وأن يعطى ما قاله ، أو أقد بلغ من عظمة الشأن ، إلى أن ارتقى إلى علم الغيب ، الذي انفرد اللّه به ، حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالا وولدا ، وأقسم عليه .
أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ