والجمعة والتغابن جريا على الأصل ، وأسقطه في الحديد موافقة لقوله فيها :
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ البقرة : 107 ] .
وقوله :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ الحديد : 4 ] ، ولم يقل : سبح للّه السماوات والأرض وما فيهما ، فيكون أكثر مبالغة لأن المراد بالسماء جهة العلو فيشمل السماء وما فيها ، وبالأرض جهة السفل فيشمل الأرض وما فيها
وَهُوَ الْعَزِيزُ
أي الغالب الذي لا يغالب
الْحَكِيمُ
في أفعاله وأقواله .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ على جهة الإنكار ، أي لم تقولون من الخير ما تفعلونه ؟ ولم مركبة من اللام الجارة وما الاستفهامية . وحذفت ألفها تخفيفا لكثرة استعمالها ، كما في نظائرها قال النسفي :
وهي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية ، كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك فيم وفيم ومم وعم وإلام وعلام ، وإنما حذفت الألف لأن ما وحرف الجر كشيء واحد ، ووقع استعمالهما كثيرا في كلام المستفهم محذوفة الألف ، وقد جاء استعمال الأصل قليلا كقول الشاعر :
على ما قام يشتمني جرير « 1 »
عن ابن عباس قال : كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون وددنا لو أن اللّه أخبرنا بأحب الأعمال فنعمل به فأخبر اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، بأن أحب الأعمال إيمان باللّه لا شك فيه ، وجهاد أهل معصية الذين خالفوا الأيمان . ولم يقروا به ، فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين ، وشق عليهم أمره ، فقال اللّه
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
؟ قال النخعي : ثلاث آيات في كتاب اللّه منعتني أن أقضي على الناس ،
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
[ البقرة : 44 ]
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
[ هود : 88 ] ، وهذه الآية ،
ثم ذمهم سبحانه على ذلك فقال :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
أي عظم ذلك في المقت ، وهو أشد البغض ، والمقت ، والمقاية مصدران يقال : مقيت ومقوت إذا لم يحبه الناس ، قال
هامش
( 1 ) يروى البيت :على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرّغ في رمادوالبيت من الوافر ، وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص 324 ، والأزهية ص 86 ، وخزانة الأدب 5 / 130 ، 6 / 99 ، 101 ، 102 ، 104 ، والدرر 6 / 314 ، وشرح التصريح 2 / 345 ، وشرح شواهد الشافية ص 224 ، ولسان العرب ( قوم ) ، والمحتسب 2 / 347 ، ومغني اللبيب 1 / 299 ، والمقاصد النحوية 4 / 554 ، ولسحان بن منذر في شرح شواهد الإيضاح ص 271 ، وشرح شواهد المغني 2 / 709 ، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص 404 ، وشرح الأشموني 3 / 758 ، وشرح شافية ابن الحاجب 2 / 297 ، وشرح المفصل 4 / 9 ، وهمع الهوامع 2 / 217 .