أقسم سبحانه بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه وتسكن الخلق فيه عن التحرك ويغشاهم النوم الذي جعله اللّه راحة لأبدانهم ، وغذاء لأرواحهم ،
ثم أقسم بالنهار فقال :
وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى
أي ظهر وانكشف ووضح لزوال الظلمة التي كانت في الليل بطلوع الشمس لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة ، وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعايشهم وتتحرك الطير من أوكارها والهوام من مكانها ، فلو كان الدهر كله ليلا لتعذر المعاش ، ولو كان كله نهارا لبطلت الراحة فكانت المصلحة في تعاقبهما .
وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
ما
هنا الموصولة أي والذي خلقهما وعبر عن من بما للدلالة على الوصفية ولقصد التفخيم أي والقادر العظيم الذي خلق صنفي الذكر والأنثى ، قال الحسن والكلبي معناه الذي خلق الذكر والأنثى ، فيكون قد أقسم بنفسه الكريمة ، قال أبو عبيدة وما خلق أي ومن خلق .
وقال مقاتل يعني وخلق الذكر والأنثى فتكون ( ما ) على هذا مصدرية قال الكلبي ومقاتل يعني آدم وحواء والظاهر العموم .
قرأ الجمهور
وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
وقرأ ابن مسعود ( والذكر والأنثى ) بدون ما خلق ، قال المحلي والخنثى المشكل عندنا ذكر أو أنثى عند اللّه تعالى فيحنث بتكليمه من حلف لا يكلم ذكرا ولا أنثى انتهى ، وعبارة الخطيب الخنثى وان أشكل أمره عندنا فهو عند اللّه غير مشكل معلوم بالذكورة أو الأنوثة انتهت ، وقال الكرخي يحنث بتكليمه لأن اللّه تعالى لم يخلق من ذوي الأرواح من ليس ذكرا ولا أنثى ، والخنثى إنما هو مشكل بالنسبة إلينا ، خلافا لأبي الفضل الهمداني فيما حكاه وجها أنه نوع ثالث ، ويدفعه قوله :
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
[ الشورى :
49 ] ونحو ذلك قاله الأسنوي .
إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى
هذا جواب القسم أي أن عملكم مختلف فمنه عمل للجنة ومنه عمل للنار أو منكم مؤمن وكافر أو منكم مثاب بالجنة ومعاقب بالنار ، أو منكم راحم وقاس وحليم وطائش وجواد وبخيل .
قال جمهور المفسرين السعي العمل ، فساع في فكاك نفسه وساع في عطبها ، وشتى جمع شتيت كمرضى جمع مريض ، وقيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعض ، والشتات هو الافتراق ، وسعيكم مصدر مضاف فيفيد العموم فهو جمع معنى وإن كان مفردا في اللفظ ولذا أخبر عنه بالجمع وهو شتى فهو بمعنى مساعيكم .
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى
أي بذل ماله في وجوه الخير
وَاتَّقى
محارم اللّه التي نهى عنها
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى
أي أيقن بالخلف الذي من اللّه ، قال المفسرون فأما من