قول من قال إن الذين آمنوا باللّه ورسله هم نفس الصديقين والشهداء ، فالضمائر الثلاثة كلها راجعة إلى شيء واحد ، والمعنى لهم الأجر والنور الموعودان لهم ، ثم لما ذكر حال المؤمنين وثوابهم ذكر حال الكافرين وعقابهم فقال :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا
أي جمعوا بين الكفر والتكذيب
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
يعذبون بها ، ولا أجر لهم ولا نور ، بل عذاب مقيم ، وظلمة دائمة ،
ولما ذكر سبحانه حال الفريق الثاني وما وقع منهم من الكفر والتكذيب ، وذلك بسبب ميلهم إلى الدنيا وتأثيرهم بيّن لهم حقارتها وأنها أحقر من أن تؤثر على الدار الآخرة فقال :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ
كلعب الصبيان
وَلَهْوٌ
كلهو الفتيان واللعب هو الباطل واللهو كل شيء يتلهى به ثم يذهب ، قال قتادة : لعب ولهو أكل وشرب .
قال مجاهد : كل لعب ولهو ، وقيل : اللعب ما رغب في الدنيا واللهو ما ألهي عن الآخرة وشغل عنها ، وقيل : اللعب الاقتناء ، واللهو النساء ، وقد تقدم تحقيق هذا في سورة الأنعام
وَزِينَةٌ
كزينة النسوان ، والزينة التزين بمتاع الدنيا من اللباس والحلي ونحوهما ، من دون عمل للآخرة
وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ
كتفاخر الأقران قرأ الجمهور بتنوين تفاخر ، وقرىء بالإضافة أي يفتخر به بعضكم على بعض ، وقيل : يتفاخرون بالخلقة والقوة ، وقيل : بالأنساب والأحساب كما كانت عليه العرب .
وَتَكاثُرٌ
كتكاثر الدهقان ، والتكاثر ادعاء الاستكثار
فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
أي يتكاثرون بأموالهم وأولادهم ويتطاولون بذلك على الفقراء ، والمعنى أن التشاغل ، وشغل البال بالحياة الدنيا ، دائر بين هذه الأمور الخمسة اجتمعت أم لا ، قال القشيري : وهذه الدنيا المذمومة هي ما يشغل العبد عن الآخرة فكل ما يشغله عن الآخرة فهو الدنيا ، وأما الطاعات وما يعين عليها فمن أمور الآخرة .
وقال علي كرم اللّه وجهه لعمار بن ياسر : لا تحزن على الدنيا فإن الدنيا ستة أشياء مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح ، فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة ، وأكثر شرابها الماء وهو يستوي فيه جميع الحيوان ، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسيج دودة ، وأفضل مشمومها المسك وهو دم فأرة ، وأفضل المركوب الفرس ، وعليها تقتل الرجال ، وأما المنكوح فهو النساء وهن مبال في مبال .
ثم بين سبحانه لهذه الحياة شبها ، وضرب لها مثلا ، فقال :
كَمَثَلِ غَيْثٍ
أي مطر
أَعْجَبَ الْكُفَّارَ
أي الزراع ، لأنهم يكفرون البذر ، أي يغطونه بالتراب كما يستر الكافر حقيقة أنوار الإيمان بما يحصل منه من الجحد والطغيان
نَباتُهُ
الحاصل به
ثُمَّ يَهِيجُ
أي يجف بعد نضارته وخضرته ، قاله أبو السعود ، وقيل : ييبس وفيه تسامح فإن حقيقته أن يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له ،