تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
والتكليف به ، وقيل : إنه الميزان على نفسه أنزله اللّه من السماء في زمن نوح عليه السّلام ، وعلم العباد الوزن به لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس ، كما في قوله :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
[ الحديد : 25 ] ، وقيل : هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يقضي بينكم بكتاب اللّه وقال مجاهد : هو الذي يوزن به .
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
أي أيّ شيء يجعلك داريا بها ، عالما بوقتها ، لعلها شيء قريب ، أو قريب مجيئها ، أو ذات قرب أو إتيانها قريب وقال
قَرِيبٌ
ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي . قال الزجاج : المعنى لعل البعث أو لعل مجيء الساعة قريب وقال الكسائي قريب نعت ينعت به المؤنث والمذكر كما في قوله :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ الأعراف : 56 ] ، وقال الكرخي : ولا يقال : إن
( قَرِيبٌ )
يستوي فيه المؤنث والمذكر لأن فعيلا هنا بمعنى فاعل ، ولا يستوي فيه ما ذكر والاستفهام إنكاري أي لا سبب يوصلك للعمل بقربها إلا الوحي الذي ينزل عليك قيل إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ذكر الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا متى تقوم تكذيبا لها فأنزل اللّه هذه الآية » ويدل على هذا قوله :
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
استعجال استهزاء منهم بها وتكذيبا بمجيئها ، فلا يشفقون منها
وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها
أي خائفون وجلون من مجيئها ، أي فلا يستعجلونها ، ففي الآية احتباك حيث ذكر الاستعجال أولا ، وحذف الإشفاق ، وذكر الإشفاق ثانيا وحذف الاستعجال . قال مقاتل لأنهم لا يدرون ما يهجمون عليه وقال الزجاج لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ومجزيون .
وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ
أي أنها آتية لا ريب فيها ، وكائنة لا محالة ومثل هذا قوله
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ
[ المؤمنون : 60 ] ثم بين ضلال الممارين فيها فقال :
أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ
أي يخاصمون فيها مخاصمة شك وريبة من المماراة ، وهي المخاصمة والمجادلة أو من المرية وهي الشك والريبة
لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
عن الحق لأنهم لم يتفكروا في الموجبات للإيمان بها من الدلائل التي هي مشاهدة لهم ، منصوبة لأعينهم ، مفهومة لعقولهم ولو تفكروا لعلموا أن الذي خلقهم ابتداء قادر على الإعادة ، وقد دل الكتاب والسنة على وقوعها ، والعقول تشهد على أنه لا بد من دار جزاء والبعث أشبه الغائبات بالمحسوسات فمن لم يهتد لتجويزه فهو أبعد عن الاهتداء إلى ما وراءه .
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ
أي كثير اللطف بهم ، بالغ الرأفة لهم ، قال مقاتل لطيف