فعليك أيها العالم بالكتاب والسنة المبرأ من التعصب والتعسف ؛ إن تورد عليهم حجج اللّه ، وتقيم عليهم براهينه ، فإنه ربما انقاد لك منهم من لم يستحكم داء التقليد في قلبه ، وأما من قد استحكم في قلبه هذا الداء العضال فلو أوردت عليه كل حجة ، وأقمت عليه كل برهان ، لما أعارك إلا أذنا صماء وعينا عمياء ، ولكنك قد قمت بواجب البيان الذي أوجبه عليك القرآن ، والهداية بيد الخلاق العليم ،
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ القصص : 56 ] .
ولما قال هؤلاء المقلدة هذه المقالة
قالَ
الخليل عليه السلام :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ
أي فهل أبصرتم ؟ أو تفكرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون من هذه الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر حتى تعلموا أنكم على ضلالة وجهالة والرؤية هنا مستعملة في معناها الأصلي ، وإليه نحا أبو السعود ، وصنيع الكازروني يقتضي أنها بمعنى أخبروني ، أي أخبروني عن حال ما كنتم تبعدون ، هل هو حقيق بالعبادة أولا ؟ وهذا استهزاء بعبدة الأصنام ، والفاء فاء السببية تفيد أن ما بعدها وهو العداوة سبب لطلب الإخبار عن حالهم ؛ فهي بمعنى اللام ، أي : أخبروني عن حالها لأنها عدو لي كما صرح به الرضى في قوله :
فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
[ الحجر : 34 ]
ثم أخبرهم بالبراءة من هذه الأصنام التي يعبدونها فقال :
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي
ومعنى كونهم عدوا له مع كونهم جمادا أنه إن عبدهم كانوا له عدوا يوم القيامة ، قال الفراء : هذا من المقلوب ، أي فإني عدو لهم ، لأن من عاديته عاداك . وأسند العداوة إلى نفسه تعريضا بهم ، وهو أنفع في النصيحة من التصريح بأن يقول فإنهم عدو لكم .
والعدو كالصديق يطلق على الواحد ، والمثنى ، والجماعة ، والمذكر والمؤنث كذا قال الفراء قال علي بن سليمان من قال عدوة اللّه فأثبت الهاء قال هي بمعنى المعادية . ومن قال عدو للمؤنث ، والجمع ، جعله بمعنى النسب وقيل المراد بقوله :
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي
آباؤهم الأقدمون لأجل عبادتهم للأصنام . ورد بأن الكلام مسوق فيما عبدوه في العابدين .
إِلَّا
أي لكن
رَبَّ الْعالَمِينَ
ليس كذلك ، بل هو وليّي في الدنيا والآخرة ، لا يزال متفضلا عليّ فيهما قال الزجاج قال النحويون هو استثناء ليس من الأول ، وأجاز الزجاج أيضا أن يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون اللّه عز وجل ويعبدون معه الأصنام فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا اللّه ، فإني أعبده .
قال الجرجاني تقديره
أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ
إلا رب العالمين ، فإنهم عدو لي . فجعله من باب التقديم والتأخير ، وجعل
إِلَّا
بمعنى دون