وقيل : المراد بالآية آثار المشائين إلى المساجد ، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين ، قال النحاس : وهو أولى ما قيل في الآية لأنها نزلت في ذلك ، ويجاب عنه بأن الاعتبار بعموم الآية لا بخصوص سببها ، وعمومها يقتضي كتب جميع آثار الخير والشر ، والإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره ، فلهذا قدم الإحياء .
وقرىء : نكتب على البناء للفاعل وللمفعول .
عن أبي سعيد الخدري قال : « كان بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فأنزل اللّه :
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ
فدعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « إنه يكتب آثارهم ثم قرأ عليهم الآية فتركوا » « 1 » أخرجه الترمذي وحسنه ، والبزار والحاكم وصححه ، وغيرهم .
وفي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر قال : « إن بني سلمة أرادوا أن يبيعوا ديارهم ويتحولوا قريبا من المسجد فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم » « 2 » .
وَكُلَّ شَيْءٍ
من أعمال العباد وغيرها كائنا ما كان ، وقرأ الجمهور بنصب
كُلَّ
على الاشتغال ، وقرىء بالرفع على الابتداء
أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ
أي كتاب مقتدى به
مُبِينٍ
موضح لكل شيء ، قال مجاهد وقتادة وابن زيد : أراد اللوح المحفوظ ، وقالت فرقة : أراد صحائف الأعمال .
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ
قد تقدم الكلام على نظير هذا في البقرة والنمل ، والمعنى اضرب لأجلهم مثلا أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية مثلا ، أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية ؛ فعلى الأول : لما قال تعالى :
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
[ البقرة : 252 ] وقال :
لِتُنْذِرَ قَوْماً
[ القصص : 46 ] قال قل لهم : ما أنا بدعا من الرسل ، فإن قبلي بقليل جاء أصحاب القرية المرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار المقامة ، وعلى الثاني لما قال : إن الإنذار لا ينفع من أضله اللّه : وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : اضرب لنفسك ولقومك مثلا ، أي مثل لهم عند نفسك مثلا بأصحاب القرية ، حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا وصبر الرسل على الإيذاء وأنت جئت إليهم واحدا ، وقومك أكثر من قوم الثلاثة فإنهم جاؤوا إلى أهل قرية وأنت بعثتك إلى الناس كافة :
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 36 ، باب 1 .
( 2 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 23 ، وفضائل المدينة باب 11 ، ومسلم في المساجد حديث 280 ، وابن ماجة في المساجد باب 15 ، وأحمد في المسند 3 / 333 ، 371 ، 390 .