تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ
أي محقين أو محقا أو إرسالا متلبسا بالحق أي بالهدى
بَشِيراً
بالوعد الحق
وَنَذِيراً
بالوعيد الحق أو بشيرا لأهل الطاعة ونذيرا لأهل المعصية .
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
أي ما من أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها ، والأمة الجماعة الكثيرة ، وتقال لكل أهل عصر ، والمراد هنا أهل العصر ، واقتصر على ذكر النذير دون البشير لأنه ألصق بالمقام . فإن قلت : كم من أمة في الفترة بين عيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم لم يخل فيها نذير ؟ قلت : إذا كانت آثار النذارة باقية لم تخل من نذير إلا أن تندرس وحين اندرست آثار نذارة عيسى عليه السلام بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، وآثار نذارته باقية إلى يوم القيامة لأنه لا نبي بعده ، فهل من مدّكر ، وهذا يقتضي أن أهل الفترة مكلفون لبقاء آثار الرسل المتقدمة فيهم ، وهو خلاف ما في شرح ابن حجر على الهمزية أن أهل الفترة من أهل الجنة وأن غيروا وبدلوا وعبدوا غير اللّه ، لأنه لم يرسل إليهم رسولا لأن من قبلهم من الرسل انتهت رسالته بموته إذ لم يعلم لأحد من الرسل استمرار رسالته بعد الموت إلا نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ، فهم غير مكلفين بما يفعلونه ولو كان صورة معصية . لكن ورد النص بتعذيب بعض أهل الفترة كعمرو بن لحي فيتلقى ، ويعتقد فيمن ورد فيهم بخصوصهم ، لا لأن ما فعلوه كفر بل لحكمة يعلمها اللّه تعالى لم نطلع عليها . انتهى ملخصا . وحينئذ فالظاهر أنه لا يحصل الاتصال بين الآية وبين ما تقرر إلا بأن يلزم أن جملة العرب أمة ويصدق تقدم النذير فيها بتقدم إسماعيل وأن بني إسرائيل أمة ، ويصدق تقدم النذير فيهم بتقدم عيسى ومن قبله فتأمل ثم سلى سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم وعزاه فقال :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
من الأمم الماضية أنبياءهم
جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
أي بالمعجزات الواضحة والدلالات الظاهرة
وَبِالزُّبُرِ
أي الكتب المكتوبة كصحف إبراهيم وهي ثلاثون ، وكصحف موسى قبل التوراة وهي عشرة . وكصحف شيث وهي ستون فجملة الصحف مائة تضم لها الكتب الأربعة فجملة الكتب المنزلة على الأنبياء مائة وأربعة . قاله الحفناوي :
وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ
كالتوراة والإنجيل ، قيل : الكتاب المنير داخل تحت الزبر ، وتحت البينات ، والعطف لتغاير المفهومات وإن كانت متحدة في الصدق ، والأولى تخصيص البينات بالمعجزات ، والزبر بالكتب التي فيها مواعظ ، والكتاب بما فيه شرائع وأحكام ، وجواب الشرط محذوف ، أي فاصبر كما صبروا ، وأن المذكور دليل له .
ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا
وضع الظاهر موضع المضمر يفيد التصريح بذمهم
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 474 | صديق الحسيني القنوجي البخاري