تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
التوحيد وتارة علم أصول الدين وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم ورمت الرجوع بفائدة والعودة بعائدة فلم أظفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة . وكان ذلك من الأسباب التي حببت إلي مذهب السلف على أني كنت من قبل ذلك عليه ولكن أردت أن ازداد منه بصيرة وبه شغفا وقلت عند النظر في تلك المذاهب :
وغاية ما حصلته من مباحثي * ومن نظري من بعد طول التدبر
هو الوقف ما بين الطريقين حيرة * فما علم من لم يلق غير التحير
على أنني قد خضت منه غماره * وما قنعت نفسي بدون التبحر
وأما الكلمة الثانية ، وهي :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] فبها يستفاد نفي المماثلة في كل شيء فيدفع بهذه الآية في وجه المجسمة ويعرف به الكلام عند وصفه سبحانه بالسميع والبصير ، وعند ذكر السمع ، والبصر واليد والاستواء ونحو ذلك مما اشتمل عليه القرآن والسنة فيتقرر بذلك الإثبات لتلك الصفات لا على وجه المماثلة والمشابهة للمخلوقات ، فيندفع به جانبي الإفراط والتفريط وهما المبالغة في الإثبات ، المفضي إلى التجسيم ، والمبالغة في النفي ، المفضية إلى التعطيل ، فيخرج من بين الجانبين ، وغلو الطرفين ، حقية مذهب السلف الصالح ، وهو قولهم بإثبات ما أثبت لنفسه من الصفات على وجه لا يعلمه إلا هو فإنه القائل
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] . ومن جملة الصفات التي أمرها السلف على ظاهرها وأجروها على ما جاء به القرآن والسنة من دون تكلف ولا تأويل ، صفة الاستواء التي ذكرها السائل ، فإنهم يقولون نحن نثبت ما أثبته اللّه لنفسه من استوائه على عرشه على هيئة لا يعلمها إلا هو ، وفي كيفية لا يدري بها سواء ، ولا نكلف أنفسنا غير هذا فليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ، ولا يحيط عباده به علما . وهكذا يقولون في مسألة الجهة التي ذكرها السائل وأشار إلى بعض ما فيه ، دليل عليها . والأدلة في ذلك طويلة كثيرة ، في الكتاب والسنة . وقد جمع أهل العلم منها لا سيما أهل الحديث مباحث طوّلوها بذكر آيات قرآنية ، وأحاديث صحيحة ، وقد وقفت من ذلك على مؤلف بسيط . في مجلد جمعه مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي ، استوفى فيه كل ما فيه دلالة على الجهة . من كتاب أو سنة أو قول صاحب . والمسألة أوضح من أن تلتبس على عارف ، وأبين من أن يحتاج فيها إلى التطويل ، ولكنها لما وقعت فيها تلك القلاقل ، والزلازل الكائنة بين بعض الطوائف الإسلامية ، كثر الكلام فيها ، وفي مسألة الاستواء ، وطال خصوصا بين الحنابل وغيرهم من أهل المذاهب ، فلهم في ذلك تلك الفتن الكبرى ، والملاحم العظمى ،