عَلَيْهِمْ كِسَفاً
أي قطعا
مِنَ السَّماءِ
كما أسقطها على أصحاب الأيكة فكيف يأمنون ذلك ، وقال قتادة : إن يشأ أن يعذب بسمائه فعل ، وإن يشأ أن يعذب بأرضه فعل ، وكل خلقه له جند ، قرىء بالنون وبالتحتية في الأفعال الثلاثة .
إِنَّ فِي ذلِكَ
المذكور المرئي من خلق السماء والأرض من حيث إحاطتهما بالناظرين من جميع الجوانب
لَآيَةً
واضحة ودلالة بينة .
لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
أي راجع إلى ربه بالتوبة والإخلاص ، وخص المنيب لأنه المنتفع بالتفكر ، وقال قتادة : منيب أي تائب مقبل إلى اللّه ، وقال هنا : لآية بالتوحيد ، وفيما بعد ذلك لآيات يجمعها لأن - ما - هنا إشارة إلى إحياء الموتى فناسب التوحيد . وما بعد إشارة إلى سبأ قبيلة تفرقت في البلاد فصاروا فرقا فناسب الجمع ، ثم ذكر سبحانه من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في داود :
فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ
[ ص : 24 ] . وقال في سليمان :
وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ
[ ص : 34 ] فقال :
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا
أي آتيناه بسبب إنابته فضلا منا على سائر الأنبياء ، واختلف في هذا القول على أقوال فقيل النبوة وقيل الزبور وقيل العلم ، وقيل القوة كما في قوله :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ
[ ص : 17 ] وقيل تسخير الجبال كما في قوله :
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ
، وقيل التوبة ، وقيل الحكم بالعدل ، كما في قوله :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ
[ ص : 26 ] ، وقيل هو إلانة الحديد كما في قوله :
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
، وقيل حسن الصوت والأولى أن يقال : إن هذا الفضل المذكور هو ما ذكره اللّه بعده من قوله .
يا جِبالُ
إلى آخر الآية أي قلنا له يا جبال
أَوِّبِي مَعَهُ
التأويب التسبيح كما في قوله :
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ
[ ص : 18 ] ، قال أبو ميسرة : هو التسبيح بلسان الحبشة ، وقال ابن عباس : أوّبي سبحي .
وروي مثله عن مجاهد وعكرمة وابن زيد وكان إذا سبح داود سبحت الجبال معه ، ومعنى تسبيحها أن اللّه يجعلها قادرة على ذلك أو يخلق فيها التسبيح معجزة لداود ، وقيل معنى أوبي سيري معه من التأويب الذي هو سير النهار ، أجمع قراء العامة أوبي على صيغة الأمر من التأويب وهو الترجيع والتسبيح أو السير أو النوح ، وقرىء أوبي بضم الهمزة أمرا من آب يؤوب إذا رجع أي ارجعي معه .
وَالطَّيْرَ
بالنصب عطفا على
فَضْلًا
على معنى وسخرنا له الطير ، لأن إيتاءه إياها تسخيرها له أو نادينا الجبال والطير ، وقال سيبويه وأبو عمرو بن العلاء : انتصابه بفعل مضمر على معنى : وسخرنا له الطير وقال الزجاج والنحاس : يجوز أن يكون