جِهاداً كَبِيراً
أي شديدا عظيما موقعه عند اللّه لما يحتمل فيه من المشاق لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيوف وأريد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم ،
ثم ذكر سبحانه دليلا رابعا على التوحيد فقال .
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
أي أرسلهما متجاورين أو خلاهما متلاصقين بحيث لا يتمازجان ، من مرج أي خلى وخلط وأرسل يقال مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء قال مجاهد : أرسلهما وأفاض أحدهما إلى الآخر ، وقال ابن عرفة : خلطهما فهما يلتقيان ، يقال مرجته إذا خلطته ، ومرج الدين والأمر اختلط واضطرب ، ومنه قوله تعالى :
فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ
[ ق : 5 ] وقال الأزهري : مرج البحرين خلى بينهما لا يلتبس أحدهما بالآخر ، يقال : مرجت الدابة إذا خليتها ترعى ، وقال ثعلب : المرج الإجراء فالمعنى أجراهما ، وقال الأخفش :
وتقول قوم أمرج مثل مرج فعل وأفعل بمعنى .
هذا عَذْبٌ فُراتٌ
هو البليغ العذوبة ، المائلة إلى الحلاوة . والجملة مستأنفة كأنه قيل : كيف مرجهما ؟ فقيل : هذا عذب الخ ، أو حال بتقدير مقولا فيهما . قيل سمي الماء الحلو فراتا ، لأنه يفرت العطش ، أي يقطعه ، ويشقه ويكسره ولا يجمع إلا نادرا على فرتان كغربان
وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
أي بليغ الملوحة ، وقيل البليغ في الحرارة وقيل البليغ في المرارة . وقرىء ملح بفتح الميم وكسر اللام . قال ابن عباس : خلع أحدهما على الآخر ، فليس يفسد العذب المالح ، وليس يفسد المالح العذب ، وهذا من أحسن المقابلة ، حيث قال : عذب فرات ، وملح أجاج .
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً
هو الحاجز والحائل ، الذي جعله اللّه بينهما من قدرته ، يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ولا يحس
وَحِجْراً مَحْجُوراً
أي سترا مستورا ، يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر فلا يبغي أحدهما على الآخر ، ولا يفسد الملح العذب ، فالبرزخ الحاجز والحجر المانع .
وقيل معناه ما تقدم من أنها كلمة يقولها المتعوذ ، كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له هذا القول ، وهو استعارة تمثيلية . وقيل حدا محدودا ، وقيل المراد من البحر العذب ، والأنهار العظام كالنيل والفرات وجيحون ، ومن البحر الأجاج ، البحار المشهورة ، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض . وقيل معناه حراما محرما أن يعذب هذا المالح بالعذب أو يملح هذا العذب المالح . ومثل هذه الآية قوله سبحانه في سورة الرحمن
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ
[ الرحمن :
19 ، 20 ] وعن ابن عباس قال : حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه ،
ثم ذكر سبحانه حالة من أحوال خلق الإنسان من الماء فقال :