والطهارات عن ابن عباس قال : ما من عام بأقل مطرا من عام ، ولكن اللّه يصرفه حيث يشاء ثم قرأ هذه الآية .
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
أي كفران النعمة وجحودها وقلة الاكتراث لها قال عكرمة : إن المراد هو قولهم في الأفواه : مطرنا بنوء كذا ، قال النحاس : ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافا أن الكفر هنا قولهم مطرنا بنوء كذا ، والنوء كما في المختار سقوط نجم من المنازل في المغرب ، وطلوع رقيبة من المشرق في ساعته في كل ثلاثة عشر يوما ، ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منهما وقيل إلى الطالع لأنه في سلطانه والجمع أنواء .
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 51 إلى 57 ]
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً ( 52 ) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً ( 55 )
وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 56 ) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 57 )
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا
أي في زمنك
فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً
أي رسولا ينذرهم ليكون الرسل المبعوثون معاونين لك ، فتخف عليك أعباء النبوة . كما قسمنا المطر بينهم ، ولكنا لم نفعل ذلك بل جعلنا نذيرا واحدا وهو أنت يا محمد ، وقصرنا الأمر عليك إجلالا لك ، وتعظيما لشأنك وتفضيلا لك على سائر الرسل ، وليعظم أجرك ، فقابل ذلك بشكر النعمة وبالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق .
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ
فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم ، بل اجتهد في الدعوة وأثبت فيها ولا تضجر
وَجاهِدْهُمْ بِهِ
أي بالقرآن وأتل عليهم ما فيه من القوارع ، والنواذر والزواجر والأوامر والنواهي ، وقيل الضمير يرجع إلى اللّه أو الإسلام أو إلى السيف . والأول أولى ، وهذه السورة مكية والأمر بالقتال إنما كان بعد الهجرة ، وقيل راجع إلى ترك الطاعة المفهوم من قوله :
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ
[ الفرقان : 52 ] ، وقيل الضمير يرجع إلى ما دل عليه
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً
[ الفرقان : 51 ] ، من كونه نذير كافة القرى لأنه سبحانه لو بعث في كل قرية نذيرا لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة القرية التي أرسل إليها ، وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم فلا جرم اجتمع عليه كل المجاهدات فكبر جهاده وعظم فكأنه قال له : وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهادا جامعا . لكل مجاهدة ولا يخفى ما في هذين الوجهين من البعد .