في سورة الحجر فقال :
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ
[ الحجر : 1 ] ، نظرا إلى حالته التي قد صار عليها فإنه مكتوب ، والكتابة سبب القراءة ، واللّه أعلم .
وأما تعريف القرآن هنا وتنكير الكتاب ، وتعريف الكتاب في سورة الحجر وتنكير القرآن ، فلصلاحية كل واحد منهما للتعريف والتنكير ، لأن القرآن والكتاب اسمان علمان للمنزل على محمد ووصفان له ، لأنه يقرأ ويكتب ، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم ، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف .
هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
أي : تلك آيات هادية ومبشرة أو هو هدى أو يهدي هدى ويبشر بشرى ، أو هاد من الضلالة ،
ثم وصف المؤمنين الذين لهم الهدى والبشرى فقال :
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ
أي الخمس ، ويديمون على شرائطها من الفروض والسنن ، ويأتون بها على وجهها .
وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ
أي : يؤدون ويعطون زكاة أموالهم إذا وجبت عليهم ، طيبة بها أنفسهم ، ولما كانت إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة مما يتكرر ويتجدد في أوقاتهما ، أتى بهما فعلين ، ولما كان الإيقان بالآخرة أمرا ثابتا مطلوبا دوامه ، أتى به جملة اسمية فقال :
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
يعلمونها بالاستدلال ، وجعل الخبر مضارعا للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد في كل وقت ، وعدم الانقطاع وكرر الضمير للدلالة على الحصر ، ولما فصل بينه وبين الخبر ، أي لا يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح ، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق ، وأنهم الأوحدون فيه ،
ثم لما ذكر سبحانه أهل السعادة ذكر بعدهم أهل الشقاوة فقال :
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
أي : لا يصدقون بالبعث وهم الكفار .
زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ
قيل : المراد أن اللّه زين لهم أعمالهم السيئة القبيحة بتركيب الشهوة فيهم ، حتى رأوها حسنة ، وقيل : المراد أن اللّه زين لهم الأعمال الحسنة وذكر لهم ما فيها من خيري الدنيا والآخرة فلم يقبلوا ذلك . قال الزجاج :
معنى الآية إنا جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه بأن جعلناه مشتهى بالطبع محبوبا للنفس .
فَهُمْ يَعْمَهُونَ
أي يترددون فيها متحيرين على الاستمرار ، لا يهتدون إلى طريقه ، ولا يقفون على حقيقته ؛ لعدم إدراكهم قبحها في الواقع ، وقيل : المعنى يتمادون ، قاله أبو العالية وقال قتادة : يلعبون . وعن الحسن : يتحيرون . وقيل :
يداومون وينهمكون فيها ، ويستمرون . والمعاني متقاربة .