القرآن إن أريد به القدر المشترك الصادق على الكل والبعض أو من عطف الكل على البعض إن أريد به المجموع الشخصي .
وأما إذا أريد بها السبعة الأحزاب أو جميع القرآن أو أقسامه من باب عطف أحد الوصفين على الآخر .
ومما يقوي كون السبع المثاني هي الفاتحة أن هذه السورة مكيّة وأكثر السبع الطوال مدنية ؛ وكذلك أكثر القرآن وأكثر أقسامه ، وظاهر قوله :
وَلَقَدْ آتَيْناكَ
الخ أنه قد تقدم إيتاء السبع على نزول هذه الآية .
وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى أنه قال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : ألا أعلمك أفضل سورة قبل أن أخرج من المسجد ؛ فذهب النبي صلى اللّه عليه وسلم ليخرج فذكرت فقال : « الحمد للّه رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم » « 1 » .
وأخرج البخاري أيضا من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم » « 2 » .
فوجب بهذا المصير إلى القول بأنها فاتحة الكتاب ، ولكن تسميتها بذلك لا ينافي تسمية غيرها به كما قدمنا ، وعن الضحاك قال : المثاني القرآني يذكر اللّه القصة الواحدة مرارا ، وعن زياد بن أبي مريم في الآية قال : أعطيتك سبعة أجزاء : مر ، وانه ، وبشّر ، وأنذر ، واضرب الأمثال ، وأعدد النعم ، وأتل نبأ القرآن .
ثم لما بيّن اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ما أنعم به عليه من هذه النعمة الدينية نفره اللّه عن اللذات العاجلة الزائلة فقال :
لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ
أي لا تطمح ببصرك إلى زخارف الدنيا طموح رغبة فيها وتمن لها ؛ قال الواحدي : إنما يكون مادا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه .
وقال بعضهم : المعنى لا تحسدن أحدا على ما أوتي من الدنيا ، ورد بأن الحسد منهى عنه مطلقا ، وإنما قال في هذه السورة لا تمدن بغير واو ؛ لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه .
وعن ابن عباس قال : في قوله لا تمدن عينيك نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه والأزواج الأصناف قاله ابن قتيبة . وقال الجوهري : الأزواج القرناء ؛ وقيل يعني اليهود والنصارى والمجوس . وعن مجاهد في قوله أزواجا منهم ، قال الأغنياء الأمثال والأشباه .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 1 ، باب 1 ، وسورة 15 ، باب 3 ، والترمذي في ثواب القرآن باب 1 .
( 2 ) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب 9 ، والترمذي في ثواب القرآن باب 1 .