وعن قتادة قال : وعدهم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة ، فبيّن اللّه من يسكنها من عباده فقال :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ الرحمن : 46 ] وإن للّه مقاما هو قائمه ، وأن أهل الإيمان خافوا ذلك المقام فنصبوا ودأبوا الليل والنهار .
ذلِكَ
أي ما تقدم من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين في مساكنهم
لِمَنْ خافَ مَقامِي
أي موقفي ، وذلك يوم الحساب فإنه موقف اللّه سبحانه ، والمقام بفتح الميم مكان الإقامة وبالضم فعل الإقامة ، وقيل إن المقام هنا مصدر بمعنى القيام ، أي لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي له كقوله تعالى :
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ الرعد : 33 ] وقال الأخفش مقامي بمعنى عذابي .
وَخافَ وَعِيدِ
أي خشي وعيدي بالعذاب ، وقيل بالقرآن وزواجره ، وقيل هو نفس العذاب الموعود للكفار ، والوعيد اسم من الوعد ، وهذه الآية تدل على أن الخوف من اللّه غير الخوف من وعيده لأن العطف يقتضي التغاير ، قاله الكرخي .
وَاسْتَفْتَحُوا
أي استنصروا باللّه على أعدائهم أو سألوا اللّه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة بين الخصمين ، ومن الأول قوله :
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ
[ الأنفال : 19 ] ومن الثاني قوله :
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا
[ الأعراف :
89 ] أي احكم ، والضمير في استفتحوا للرسل ، وقيل للكفار وقيل للفريقين وقيل لقريش لأنهم في سني الجدب استمطروا فلم يمطروا ، وهو على هذا مستأنف والأول أولى ، وقرىء استفتحوا بكسر التاء الثانية على لفظ الأمر ، أمرا للرسل بطلب النصرة فنصروا وسعدوا وربحوا .
وَخابَ
أي خسر وقيل هلك
كُلُّ جَبَّارٍ
هو المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقا ، هكذا حكاه النحاس عن أهل اللغة .
وقيل من تجبر بنفسه بادعاء منزلة عالية لا يستحقها ، وهو صفة ذم في حق الإنسان ، وقيل الذي لا يرى فوقه أحدا . وقيل المتعظم في نفسه المتكبر على إقرانه والمعاني متقاربة
عَنِيدٍ
هو المعاند للحق والمجانب له قاله مجاهد ، وهو مأخوذ من العند وهو الناحية ، أي آخذ في ناحية معرضا .
قال الزجاج : العنيد الذي يعدل عن القصد ، وبمثله قال الهروي . وقال أبو عبيد :
هو الذي عند وبغى وقال ابن كيسان : هو الشامخ بأنفه ، وقيل المراد به العاصي ، وقيل الذي أبى أن يقول لا إله إلا اللّه . قاله قتادة ، وقيل العنيد الناكب عن الحق . قاله إبراهيم النخعي ، وقال مقاتل : المتكبر ، وقال ابن عباس : هو المعرض عن الحق .
وقيل وهو المعجب بما عنده ، وقيل هو الذي يعاند ويخالف ، ومعنى الآية أنه خسر وهلك من كان متصفا بهذه الصفة .