فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ
المراد بالقوم الذين وعد اللّه سبحانه بالاتيان بهم هم أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه وجيشه من الصحابة والتابعين الذين قاتل بهم أهل الردة ، ثم كل من جاء بعدهم من المقاتلين للمرتدين في جميع الزمن ، قال بعض الصحابة ما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة .
ولما همّ أبو بكر بقتالهم كره ذلك بعض الصحابة وقال بعضهم هم أهل القبلة ، فتقلّد أبو بكر سيفه وخرج وحده فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره ، فقال ابن مسعود : كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه في الانتهاء .
وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما عن أبي موسى الأشعري قال : تليت عند النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم قومك يا أبا موسى أهل اليمن ، وفي الباب روايات .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن جابر بن عبد اللّه قال : سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قوله :
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ
الآية فقال : هؤلاء قوم من أهل اليمن ثم كندة ثم السكون ثم تجيب .
وعن ابن عباس هم أهل القادسية ، وقال السدي نزلت في الأنصار لأنهم هم الذين نصروا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأعانوه على إظهار الدين ، والأول أولى .
ثم وصف اللّه سبحانه هؤلاء القوم بالأوصاف العظيمة المشتملة على غاية المديح ونهاية الثناء فقال :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
من كونهم
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
وهذه من صفات الذين اصطفاهم اللّه يعني أنهم أرقاء رحماء لأهل دينهم ، أشداء أقوياء غلظاء على أعدائهم ، قاله علي ، قال ابن عباس : تراهم كالولد لوالده وكالعبد لسيده ، وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته .
قال ابن الأنباري : أثنى اللّه عليهم بأنهم يتواضعون للمؤمنين إذا لقوهم ، ويعنفون الكافرين إذا لقوهم ، ولم يرد ذلك الهوان بل الشفقة والرحمة ، وإنما أتى بلفظة ( على ) ليدل على علو منصبهم وفضلهم وشرفهم ، والأذلة جمع ذليل لا ذلول ، والأعزة جمع عزيز أي يظهرون الحنوّ والعطف والتواضع للمؤمنين ، ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين .
يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ
عذل عاذل في نصرهم الدين أي يجمعون بين المجاهدة في سبيل اللّه وعدم خوف الملامة في الدين ، بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان من الإزراء بأهل الدين وقلب محاسنهم مساوىء ومناقبهم مثالب حسدا وبغضا وكراهة للحق وأهله .
والإشارة بقوله :
ذلِكَ
إلى ما تقدم من الصفات التي اختصهم اللّه بها
فَضْلُ اللَّهِ
أي لطفه وإحسانه
يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ
الفضل وكثير الفضائل
عَلِيمٌ
بمن هو أهلها .