دِينِكُمْ
الغلوّ هو التجاوز في الحد ، ومنه غلا السعر يغلو غلاء وغلا الرجل في الأمر غلوا ، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فتجاوزت لذاتها ، والمراد بالآية لهم عن الإفراط تارة والتفريط أخرى .
فمن الإفراط غلوّ النصارى في عيسى حتى جعلوه ربا ، ومن التفريط غلو اليهود فيه عليه السلام حتى جعلوه لغير رشدة ، وما أحسن قول الشاعر :
ولا تغلو في شيء من الأمر واقتصد * كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
وهو ما وصف به نفسه ووصفته به رسله ، ولا تقولوا الباطل كقول اليهود عزير ابن اللّه وقول النصارى المسيح ابن اللّه ، وهذا الاستثناء مفرغ
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
الجملة تعليل للنهي ، وقد تقدم الكلام على المسيح في آل عمران والمعنى ليس له نسب غير هذا ، وأنه
رَسُولُ اللَّهِ
فمن زعم غير هذا فقد أشرك وكفر .
وَكَلِمَتُهُ
أي كونه بقوله كن فكان بشرا من غير أب ، وقيل كلمته بشارة اللّه مريم ورسالته إليها على لسان جبريل بقوله :
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ
[ آل عمران : 45 ] وقيل الكلمة ههنا بمعنى الآية ومنه
وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها
[ التحريم : 12 ] وقوله
ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[ لقمان : 27 ]
أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
أي أوصلها إليها
وَرُوحٌ
أي ذو روح
مِنْهُ
وسمي روحا لأنه حصل من الريح الحاصل من نفخ جبريل ، أي أرسل جبريل فنفخ في جيب درع مريم فحملت بإذن اللّه ، وهذه الإضافة للتفضيل والتشريف وإن كان جميع الأرواح من خلقه تعالى .
وقيل قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ويضاف إلى اللّه فيقال هذا روح من اللّه أي من خلقه كما يقال في النعمة أنها من اللّه .
وقيل روح منه أي من خلقه كما قال تعالى :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
[ الجاثية : 13 ] أي من خلقه ، وقيل رحمة منه ، وقيل برهان منه ، وكان عيسى برهانا وحجة على قومه .
والمعنى روح كائنة منه وجعلت الروح منه سبحانه وإن كانت بنفخ جبريل لكونه تعالى الآمر لجبريل بالنفخ ، والمعنى ليس هو كما زعمتم ابن اللّه وإلها معه أو ثالث ثلاثة لأن ذا الروح مركّب ، والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركّب إليه .
وعن أبي موسى أن النجاشي قال لجعفر : ما يقول صاحبك في ابن مريم ؟ قال :
يقول فيه قول اللّه ، هو روح وكلمته أخرجه من البتول العذراء لم يقربها بشر ، فتناول عودا من الأرض فرفعه فقال يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه .