أخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر عن أبي بكر الصديق أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال له لما نزلت هذه الآية : أما أنت وأصحابك يا أبا بكر فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا اللّه ليس لكم ذنوب ، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة « 1 » .
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول : « ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهمّ يهمّه إلا كفّر اللّه به من سيآته » « 2 » وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة
وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي غيره
وَلِيًّا
يحفظه
وَلا نَصِيراً
يمنعه منه .
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
للتبعيض أي بعض
الصَّالِحاتِ
وهي الفرائض قاله ابن عباس : وقال الطبري من زائدة عند قوم وهو ضعيف لأن المكلف لا يطيق عمل كل الصالحات ، حال كونه
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
أي حال كونه مؤمنا ، والحال الأولى لبيان من يعمل ، والحال الأخرى لإفادة اشتراط الإيمان في كل عمل صالح ، وفيه إشارة إلى أن الأعمال ليست من الإيمان .
فَأُولئِكَ
إشارة إلى العامل المتصف بالإيمان ، قرىء
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
على البناء للمجهول وللمعلوم والجمع باعتبار معنى ( من ) كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها
وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً
أي قدر النقير وهو النقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة ، وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان ، كيف والمجازي أرحم الراحمين .
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 125 إلى 126 ]
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ( 125 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ( 126 )
وَمَنْ
أي لا أحد فهو استفهام انكاري
أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
أي أخلص نفسه له حال كونه محسنا أي عاملا للحسنات ، وقيل معنى أسلم فوض أمره إلى اللّه ، وقال ابن عباس : هو محسن يريد هو موحد للّه عز وجل لا يشرك به شيئا ، وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء فإذا انقاد للّه فقد انقاد له جميع الأعضاء لأنها تابعة له .
وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
أي اتبع دين إبراهيم حال كون المتبع مائلا عن الأديان الباطلة إلى دين الحق وهو الإسلام ، وخص إبراهيم للاتفاق على مدحه حتى
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 4 ، باب 25 .
( 2 ) أخرجه البخاري في المرض باب 1 ، ومسلم في البر حديث 52 ، والترمذي في الجنائز باب 1 ، وأحمد في المسند 3 / 4 ، 18 ، 24 .