علماء هذه الملة الإسلامية اجتهد في بعض مسائل الدين فأداه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين ، فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين وهو الدين القويم والملة الحنيفية ، ولم يتبع غير سبيلهم .
وقد أخرج الترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لا يجمع اللّه هذه الأمة على الضلالة أبدا ، ويد اللّه على الجماعة فمن شذّ شذ في النار » ، وأخرجه الترمذي « 1 » والبيهقي أيضا عن ابن عباس مرفوعا .
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 116 إلى 117 ]
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 116 ) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً ( 117 )
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
هذا نص صريح بأن الشرك غير مغفور إذا مات صاحبه عليه لقوله :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
[ الأنفال : 38 ] الآية
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ
أي ما دون الشرك
لِمَنْ يَشاءُ
من أهل التوحيد وهذه المشيئة فيمن لم يتب من ذنوبه من الموحدين فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه .
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً
أي ذهب عن طريق الهدى وحرم الخير كله إذا مات على شركه ، لأن الشرك أعظم أنواع الضلال وأبعدها من الصواب والاستقامة ، كما أنه افتراء وإثم عظيم ولذلك جعل الجزاء في هذه الشرطية
فَقَدْ ضَلَّ
وفيما سبق
فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً
[ النساء : 48 ] حسبما يقتضيه سياق النظم الكريم وسياقه .
وفي السمين ختمت الآية المتقدمة بقوله فقد افترى وهذه بقوله فقد ضل لأن الأولى في شأن أهل الكتاب وهم عندهم علم بصحة نبوته وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع ، ومع ذلك فقد كابروا في ذلك وافتروا على اللّه ، وهذه في شأن قوم مشركين ليس لهم كتاب ولا عندهم علم ، فناسب وصفهم بالضلال .
وأيضا قد تقدم هنا ذكر الهدى وهو ضد الضلال اه .
وقد تقدم تفسير هذه الآية وتكريرها بلفظها في موضعين من هذه السورة للتأكيد وقيل كررت هنا لأجل قصة بني أبيرق ، وقيل : إنها نزلت هنا بسبب غير قصة بني أبيرق وهو ما رواه الثعلبي والقرطبي في تفسيرهما عن الضحاك أن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلا
هامش
( 1 ) كتاب الفتن باب 7 .