تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
يا أَيُّهَا النَّاسُ
لم يقع النداء في القرآن بغير « يا » من الأدوات والنداء في الأصل طلب الإقبال والمراد به هنا التنبيه وأي مبني على الضم في محل نصب والناس نعت لأي على اللفظ وحركته إعرابية وحركة أي بنائية ، واستشكل رفع التابع مع عدم عامل الرفع ، والنداء على سبع مراتب : نداء مدح كقوله :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ
[ الأنفال : 65 وغيرها ] و
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ
[ المائدة : 41 ] ، ونداء ذم كقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا
[ الجمعة : 6 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا
[ التحريم : 7 ] ونداء تنبيه كقوله :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ
[ الانشقاق : 6 ]
يا أَيُّهَا النَّاسُ
ونداء إضافة كقوله :
يا عِبادِيَ
[ الزمر : 53 ] ونداء نسبة كقوله :
يا بَنِي آدَمَ
[ الأعراف : 26 وغيرها ]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ
[ البقرة : 40 ] ، ونداء تسمية كقوله :
يا داوُدُ
[ ص : 26 ]
يا إِبْراهِيمُ
[ هود : 76 ] ، ونداء تضيف كقوله :
يا أَهْلَ الْكِتابِ
[ آل عمران : 64 ] ، قاله الكرخي . قال ابن عباس
يا أَيُّهَا النَّاسُ
خطاب لأهل مكة ويا أيها الذين آمنوا خطاب لأهل المدينة وهو هنا خطاب عام لسائر المكلفين ، والحق أن ما قاله ابن عباس أكثري لا كلّي ، فإن البقرة والنساء والحجرات مدنيات وفاقا ، وقد قال في كل منها يا أيها الناس .
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
قال ابن عباس وحدوا ، وكل ما ورد في القرآن من العبادة قيل معناه التوحيد . وأصل العبادة غاية التذلل ، وقد تقدم تفسيرها والمعنى ابتدع خلقكم من غير مثال سبق ، وإنما خص نعمة الخلق وامتن بها عليهم لأن جميع النعم مترتبة عليها وهي أصلها الذي لا يوجد شيء منها بدونها ، وأيضا فالكفار يقرون بأن اللّه هو الخالق
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ الزخرف : 87 ] فامتن عليهم بما يعترفون به فلا ينكرونه ، وفي أصل معنى الخلق وجهان أحدهما : التقدير يقال خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع الثاني : الإنشاء والاختراع والإبداع .
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
بالذات أو الزمان أي وخلقهم
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
ولعل أصلها الترجي والطمع والتوقع والإشفاق ، وذلك مستحيل على اللّه تعالى ولكنه لما كان في المخاطبة منه للبشر كان بمنزلة قوله لهم افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع ، وبهذا قال جماعة من أهل العربية منهم سيبويه ، وقيل بمعنى لام كي أي لتتقوا وبهذا قال جماعة منهم قطرب والطبري ، وقيل إنها بمعنى التعرض للشيء كأنه قال متعرضين للتقوى وإليه مال أبو البقاء وغيره .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 22 إلى 23 ]

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 ) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 )
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً
أي خلق لكم الأرض بساطا ووطاء مذللة ولم