تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
قال ابن عباس في الآية نزلت في المنافقين يقول مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف ، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي في ظلمة حائرا متخوفا ، فكذلك حال المنافقين ، أظهروا كلمة الإيمان وأمنوا بها على أنفسهم وأموالهم وأولادهم ، وناكحوا المسلمين وقاسموهم في الغنائم فذلك نورهم ، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف ، وقيل ذهاب نورهم ظهور عقيدتهم للمؤمنين على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وقيل في القبر أو على الصراط ، والأول أولى . وإنما وصفت هذه النار بالإضاءة مع كونها نار باطل لأن الباطل كذلك يسطع لهب ناره لحظة ثم تخفت ومنه قولهم : للباطل صولة ثم يضمحل . وقد تقرر عند علماء البلاغة أن لضرب الأمثال شأنا عظيما في إبراز خفيات المعاني ورفع أستار محجبات الدقائق ، ولهذا استكثر اللّه تعالى ذلك في كتابه العزيز ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يكثر من ذلك في مخاطباته ومواعظه . قال ابن جرير : وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد كما قال
رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ
[ الأحزاب : 19 ] وقال تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ الجمعة : 5 ] .
صُمٌّ
: أي عن استماع الحق لأنهم لا يقبلونه ، وإذا لم يقبلوه فكأنهم لم يسمعوه والصمم الانسداد
بُكْمٌ
: أي خرس عن النطق بالخير فهم لا يقولونه ، والأبكم الذي لا ينطق ولا يفهم ، فإذا فهم فهو الأخرس ، وقيل الأبكم والأخرس واحد
عُمْيٌ
: أي لا بصائر لهم يميزون بها بين الحق والباطل ، ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له فهو أعمى ، والعمى ذهاب البصر ، كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا عن سماع الحق آذانهم وأبوا أن تنطق به ألسنتهم ، وأن ينظروا إليه بعيونهم ، جعلوا كمن تعطلت حواسه ، وذهب إدراكه كما قال الشاعر :
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء كلهم أذن « 1 »
فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
أي عن ضلالتهم ونفاقهم .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 19 إلى 21 ]

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 )
هامش
( 1 ) البيت من البسيط ، وهو لقعنب ابن أم صاحب في لسان العرب ( شور ) ، ( أذن ) وتاج العروس ( أذن ) .