أقول : على الروايتين السورة مدنية ، لأنّ أبا الدّحداح كان من الأنصار ومن أهل المدينة .
[ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 12 إلى 13 ]
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ( 12 ) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ( 13 )
ثمّ لمّا بيّن سبحانه فائدة الإعطاء والتقوى والايمان وضرر البخل والكفر ، بيّن أنّ الهداية إلى ما فيه الخير والشرّ من شأن الربوبية بقوله :
إِنَّ
الواجب
عَلَيْنا
بمقتضى الحكمة البالغة واللّطف
لَلْهُدى
وبيان الطريق المؤدّي إلى كلّ خير وسعادة ، وإلى الشرور والضلالة ، وقد فعلنا بما لا نزيد عليه ، حيث بيّنا حال من سلك كلا من الطريقين ترغيبا وترهيبا . عن القمي : أنّ علينا أن نبيّن لهم « 1 » .
وعن ابن عباس : يريد ارشد أوليائي إلى العمل بطاعتي وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي « 2 » .
أقول : معنى حيلولته خذلانه ، وإيكالهم إلى أنفسهم عقوبة على كفرهم وطغيانهم .
ثمّ بيّن سبحانه غناه عن عبادة الناس ، وإنّما تكون هدايتهم للنفع العائد إليهم بقوله :
وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى
وتلك العقبى والأولى ، لا يزيد في ملكنا اهتداؤكم ، ولا يضرّنا ضلالكم ، فمن طلب سعادة الدارين فليطلبها منّي ، وليعمل بطاعتي .
[ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 14 إلى 18 ]
فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ( 17 ) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ( 18 )
ثمّ هدّد سبحانه الذين لا يهتدون بهداه بقوله :
فَأَنْذَرْتُكُمْ
أيّها الناس فيما أنزلت إليكم من القرآن
ناراً تَلَظَّى
وتتلهّب وتتوقّد بغضبي ، وخوّفتكم بها لترتدعوا عن عصياني ومخالفتي ، واعلموا أنّه
لا يَصْلاها
ولا يدخلها
إِلَّا
الكافر
الْأَشْقَى
من جميع العصاة والأبعد من كلّ خير وسعادة ، وهو
الَّذِي كَذَّبَ
بآيات ربّه ورسالة رسله
وَتَوَلَّى
وأعرض عن قبول الحق ، واستنكف عن طاعة ربّه .
وعن ابن عباس في رواية أخرى : أنّها نزلت في أمية بن خلف وأمثاله الذين كذّبوا محمدا والأنبياء قبله « 3 » .
أقول : وهو جار في حقّ كلّ كافر إلى يوم القيامة ، إذ لا يكون الكفر إلا بالتكذيب ولو بإنكار ضروري من ضروريات الدين ، ومقتضى الحصر أن لا يدخل النار من كان مؤمنا عاصيا ولا يبعد ذلك ، نعم
هامش
( 1 ) . تفسير القمي 2 : 426 ، تفسير الصافي 2 : 338 .
( 2 ) . تفسير الرازي 31 : 202 .
( 3 ) . تفسير الرازي 31 : 202 .