تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
ثمّ إنه تعالى بعد بيان عظمته وقدرته بخلق العالم وتسخير النّيّرين ، بيّن منّته عليهم بالرزق بقوله :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
ويوسّعه
لِمَنْ يَشاءُ
توسعته
مِنْ عِبادِهِ
المؤمنين والكافرين
وَيَقْدِرُ
لم يشاء ويضيّق
لَهُ
وهو يعلم مقدار الحاجات والأرزاق ، وطرق إيصالها ، ومصالح العباد ، ونظام العالم بمقتضى ألوهيته
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
لا يخفى عن علمه خافية . في الحديث القدسي « أن من عبادي من لا يصلحه إلّا الغنى ، ولو افقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلحه إلّا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده ذلك » « 1 » . ثمّ بيّن سبحانه اعترافهم بأنّ الرزق كلّه منه ، باعترافهم بأنّه منزل الأمطار التي هي سبب الرزق بقوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
يا محمد
مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ
المطلّ ، أو من جهة العلوّ
ماءً
نافعا
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها
وأنبتت منها الأشجار والزروع والحشائش من بعد يبسها ؟
لَيَقُولُنَّ
بعقولهم الفطرية :
اللَّهُ
منزل الماء ومحيي الأرض
قُلِ
يا محمد :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
على نعمه ، وهم لا يحمدونه مع اعترافهم بنعمه ، أو الحمد للّه على ظهور الحجّة ووضوح الحقّ بحيث لا يمكن لهم جحوده
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
ولا يدركون أن مقتضى اعترافهم حمده وعبادته لا عبادة غيره .

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 64 إلى 66 ]

وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 ) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ( 65 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 66 ) ثمّ لمّا كان باعثهم على عبادة الأصنام حبّ الدنيا وشهواتها ، ذمّ سبحانه الدنيا بقوله :
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا
وشهواتها التي تحبونها « 2 » وتشتاقون إليها بحيث شغلتكم عن اللّه وعن الآخرة
إِلَّا لَهْوٌ
وعمل غير عقلاني
وَلَعِبٌ
وشغل لا فائدة فيه ، وإعراض عن اللّه ، وهذان بعيدان عن العاقل ، لكونهما سريعي « 3 » الانقضاء بالموت ، وموجبين للبعد عن اللّه
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ
واللّه
لَهِيَ
الجنّة التي يكون فيها
الْحَيَوانُ
الحقيقي والحياة الدائمة التي لا ينغصها الموت والفناء ، بل جميع ما فيها ذو حياة لا زوال لها
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
وذلك لما آثروا عليها الدنيا التي هي الموتان وأهلها أموات . ثمّ قرّر سبحانه كون باعثهم على عبادة الأصنام حبّ الدنيا بأنّهم لو انقطعوا عن الدنيا ، وضعف رجاؤهم في الحياة ، نسوا آلهتهم وأخلصوا دينهم للّه بقوله :
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ
وتوسّطوا البحر ، وأشرفوا على الهلاك ، نسوا آلهتهم و
دَعَوُا اللَّهَ
لنجاتهم حال كونهم
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 6 : 489 . ( 2 ) . في النسخة : تحيونها . ( 3 ) . في النسخة : سريع .