تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
ثمّ حكى سبحانه لطفه بصالح بقوله :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى
قبيلة
ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً
وكان ما ارسل به
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
ولا تعبدوا غيره ، فآمن به جمع منهم
فَإِذا هُمْ
بعد هذه الدعوة
فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ
ويجادلون في صدق نبوته ودعواه التوحيد وكذبهما
قالَ
صالح - للفرقة المكذّبة القائلين له :
ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
« 1 » - :
يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ
وتطلبون سرعة نزول العقوبة عليكم
قَبْلَ الْحَسَنَةِ
والتوبة
لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ
وهلّا تتوبون إليه قبل نزول العذاب ؟
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
بقبولها وصرفه عنكم ، كيلا تعذّبون بل تنعمون . قيل : إنّهم كانوا يقولون من جهلهم وغوايتهم : إن أتيتنا بما تعدنا من العذاب تبنا حينئذ وإلّا فنحن على ما كنا عليه « 2 » ، فوبّخهم صالح على هذا القول ، وحثّهم على استعجال التوبة . وقيل : إنّ المعنى لم تسألون البلاء والعقوبة قبل سؤال العافية والرحمة ، ولم لا تقدّمون طلب الرحمة على طلب العقوبة « 3 » . ثمّ إنّهم بعد دعوة صالح بألطف بيان ونصحه لهم بأبلغ وجه ، عارضوه بأسوأ قول حيث
قالُوا
في جوابه : يا صالح إنا
اطَّيَّرْنا
وتشاء منا
بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ
من المؤمنين حيث تتابعت علينا بعد دعوتك وإيمانهم بك الشدائد والبلايا . قيل : أنّهم قحطوا فقالوا : أصابنا هذا الشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك « 4 »
قالَ
صالح :
طائِرُكُمْ
وما جاء به الشرّ إليكم كائن
عِنْدَ اللَّهِ
وسابق في علمه ، أو مكتوب في اللّوح المحفوظ ، وهو تقديره وإرادته ، أو عملكم الذي هو محفوظ عنده . ثمّ أضرب عليه السّلام عن إسناد شرّهم إلى الطائر الذي هو السبب لابتلائهم إلى الإسناد إلى الحكمة الداعية له بقوله :
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
بالبلايا وتختبرون بإنزال الشرور عليكم ، ليتّضح أنّكم ترتدعون عن الكفر والمعاصي أم لا ، وتنصرّفون عن قبائح الأعمال أم تديمون عليها ؟ أو المراد بل أنتم قوم تعذّبون على معاصيكم ، أو أنتم قوم تقعون في الفتنة بوسوسة الشيطان .
هامش
( 1 ) . العنكبوت : 29 / 29 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 6 : 290 ، تفسير روح البيان 6 : 355 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 355 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 6 : 356 .