وَأَطِيعُونِ
في أمري .
فلمّا سمع قومه دعوته
قالُوا
له إنكارا عليه :
أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ
نتّبعك في قولك ، والحال أنّه
اتَّبَعَكَ
الفقراء
الْأَرْذَلُونَ
والسّفلة الأدنون جاها ومالا ونسبا فإنّ إيمانهم لا يكون عن نظر وبصيرة لعدم رزانة عقلهم ومتانة رأيهم ، بل نظرهم إلى جلب المال وتحصيل الجاه ، فهم في الباطن كافرون بك ، لا ينبغي لنا أن نجعل أنفسنا في رديفهم .
قيل : كانوا من أهل الصناعات الخسيسة « 1 » . وقيل : إنّهم كانوا حجّاما « 2 » . وعن ابن عباس : كانوا حائكين « 3 » .
قالَ :
نوح عليه السّلام في جوابهم : ما إحاطتي
وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
من إيمانهم الحقيقي بربي ، وإقرارهم القلبي برسالتي ، ومالي إطّلاع على خلوصهم في الايمان أو نفاقهم ، وليس عليّ التفتيش عن باطنهم وشقّ قلوبهم ،
بل عليّ الاكتفاء والاعتبار بظاهر إقرارهم
إِنْ حِسابُهُمْ
ومؤاخذتهم على بواطنهم وسرائرهم
إِلَّا عَلى
عهدة
رَبِّي
المطّلع على البواطن والسرائر ، العالم بالخفيات ، وأنتم
لَوْ تَشْعُرُونَ
وتدركون المطالب الواضحة لشعرتم صحّة قولي ، وأدركتم صدق خبري ، ولكنكم تجهلون وتقولون ما لا تعلمون .
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 114 إلى 122 ]
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ( 114 ) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 115 ) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ( 116 ) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ( 117 ) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 118 )
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 119 ) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ ( 120 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 121 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 122 )
ثمّ لمّا كان في قدح أتباعه إيهام توقّع طردهم عن مجالسه وإبعادهم عن حوله ، قطع طمعهم هذا بقوله :
وَما أَنَا بِطارِدِ
هؤلاء
الْمُؤْمِنِينَ
ومبعدهم عن حولي ومجلسي ، ولا يمكنني موافقتكم في ما تتوقّعون منّي من الاعراض عمّن أقبل على ربي ،
لأنّه خلاف وظيفتي
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ
وما أنا إلّا رسول مبعوث لتخويف الناس من العذاب على الكفر باللّه وعصيانه
مُبِينٌ
ومتظاهر بالانذار ، أو موضح لما أرسلت به سواء كانوا أعزاء أو أذلاء ، أغنياء أو فقراء ، بل وظيفتي تقريب من قبل قولي ودعوى رسالتي ، وآمن بربي ،
فلمّا عجزوا عن معارضته بالحجة أخذوا في تهديده و
قالُوا لَئِنْ لَمْ
هامش
( 1 و 2 ) . تفسير الرازي 24 : 155 .
( 3 ) . تفسير القرطبي 9 : 24 .