[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 115 إلى 116 ]
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( 116 )
ثمّ وبّخهم سبحانه على إنكارهم البعث مع دلالة البرهان القاطع عليه وغفلتهم عنه بقوله :
أَ فَحَسِبْتُمْ
قيل : التقدير أغفلتم عن البعث فحسبتم « 1 »
أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً
ولعبا بلا حكمة وصلاح
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
بل تموتون وتفتّتون « 2 » .
عن الصادق عليه السّلام : « أنّ اللّه تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثا ، ولم يتركهم سدى ، بل خلقهم لاظهار قدرته ، وليكلّفهم طاعته ، فيستوجبوا بذلك رضوانه ، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة ، ولا ليدفع بهم مضرّة ، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم إلى النعيم » « 3 » .
وعنه عليه السّلام أنّه قيل له : خلقنا للفناء ؟ فقال : « خلقنا للبقاء ، وكيف وجنّته لا تبيد ، وناره « 4 » لا تخمد ، ولكن [ قل : ] إنّما نتحوّل من دار إلى دار » « 5 » .
ثّم نزّه سبحانه ذاته المقدسة عن العبث بقوله :
فَتَعالَى اللَّهُ
وارتفع بذاته عن العبث ، وتقدّس عن اللغو ، وتنزّه عن فعل ما لا حكمة فيه لأنّه
الْمَلِكُ الْحَقُّ
والسلطان الحقيق بالسلطنة ، الغنيّ بذاته عمّا سواه ، وكلّ شيء محتاج إليه .
قيل : إنّ الحقّ هو الموجد للشيء بمقتضى الحكمة « 6 » ، والثابت الذي لا يزول ذاته ، ولا يبيد ملكه وقدرته ، ولذا
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
ولا معبود سواه .
ثمّ قرّر كمال سلطنته واستحقاقه العبادة بقوله :
رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
فكيف بما هو دونه وتحته ، وإنما وصف العرش بالكريم لنزول الرحمة والبركات منه ، أو لانتسابه إلى اللّه الكريم .
وقيل : إنّ المراد بالعرش هنا السماوات وما فيها « 7 » .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 117 إلى 118 ]
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 117 ) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 118 )
ثمّ هدّد المشركين بقوله :
وَمَنْ يَدْعُ
ويعبد
مَعَ اللَّهِ
المتفرّد بالألوهية
إِلهاً
ومعبودا
آخَرَ
مع أنّه
لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ
ولا حجّة على جواز عبادته
فَإِنَّما حِسابُهُ
وجزاؤه اللائق به
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 6 : 111 .
( 2 ) . في النسخة : وتفتّون .
( 3 ) . علل الشرائع : 9 / 2 ، تفسير الصافي 3 : 412 .
( 4 ) . في علل الشرائع : وكيف تفنى جنة لا تبيد ، ونار .
( 5 ) . علل الشرائع : 11 / 5 ، تفسير الصافي 3 : 412 .
( 6 ) . تفسير روح البيان 6 : 112 .
( 7 ) . تفسير الرازي 23 : 128 .