قيل : إن الاستغاثة « 1 » بهذا البيان حسنة ولو مع العلم بامتناع الرجوع ؛ لأنه من باب التمنّي « 2 » .
ثمّ ردعهم اللّه من هذا القول بقوله :
كَلَّا
لا رجوع لك إلى الدنيا أبدا ، ثمّ أقنطهم بعد كلمة
ارْجِعُونِ
بقوله :
إِنَّها كَلِمَةٌ
ولفظة صرفة لا يعمل بها ، وإنّما
هُوَ
عند الموت
قائِلُها
تحسّرا وتندّما
وَمِنْ وَرائِهِمْ
وخلفهم أو أمامهم
بَرْزَخٌ
وحاجز بينهم وبين الرجوع وهو الموت ، أو عالم يعذّبون فيه
إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 101 ]
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ( 101 )
ثمّ بيّن سبحانه كيفية ذلك اليوم بقوله :
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ
النفخة الثانية التي يحيا بها الأموات
فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ
تفيدهم
يَوْمَئِذٍ
وتنجيهم من أهواله ، وزال التراحم والتعاطف من قلوبهم
وَلا يَتَساءَلُونَ
فيما بينهم عنها ، ولا يقول أحد لأحد : أنت ابن من ، وأبو من ، ومن أيّ قبيلة وعشيرة ؟ بل يفرّ المرء من فرط الدهشة والوحشة من أخيه وصاحبته وبنيه .
روي أنّ عائشة قالت : يا رسول اللّه ، أما نتعارف يوم القيامة ؟ إنّي أسمع اللّه يقول :
فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
فقال صلّى اللّه عليه وآله : « ثلاثة مواطن تذهل فيها كلّ نفس : حين يرمى إلى كلّ إنسان كتابه ، وعند الموازين ، وعلى جسر جهنّم » « 3 » .
في ( روح البيان ) عن الأصمعي ، أنه قال : كنت أطوف بالكعبة في ليلة مقمرة ، فسمعت صوتا حزينا فتبعته ، فإذا أنا بشابّ حسن ظريف متعلّق بأستار الكعبة ، وهو يقول : « نامت العيون ، وغارت النجوم ، وأنت الملك الحيّ القيوم ، قد غلّقت الملوك أبوابها ، وأقامت عليها حرّاسها « 4 » وحجّابها ، وبابك مفتوح للسائلين ، فها أنا سائلك ببابك ، مذنبا فقيرا مسكينا أسيرا ، جئتك « 5 » انتظر رحمتك يا أرحم الراحمين » . ثمّ أنشأ يقول :
يا من يجيب دعا المضطرّ في الظّلم * يا كاشف الضّرّ والبلوى مع السّقم
قد نام وفدك « 6 » حول البيت قاطبة « 7 » * وأنت وحدك « 8 » يا قيّوم لم تنم
أدعوك ربّي ومولاي ومعتمدي « 9 » * فارحم بكائي بحقّ البيت والحرم
أنت الغفور فجد لي منك مغفرة * أو اعف عنّي يا ذا الجود والنّعم
هامش
( 1 ) . في تفسير الرازي : الاستعانة .
( 2 ) . تفسير الرازي 23 : 120 .
( 3 ) . تفسير الرازي 23 : 122 ، تفسير روح البيان 6 : 107 .
( 4 ) . في المصدر : حرسها .
( 5 ) . في المصدر : جئت .
( 6 ) . في المصدر : وفدي .
( 7 ) . في المصدر : وانتبهوا .
( 8 ) . في المصدر : يا حيّ .
( 9 ) . في المصدر : ومستندي .