تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
موسى عليه السّلام أنّ الأرض كلّها حيّات ، وأنّها تسعى فخاف ، فلمّا قيل له :
أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ
ألقى موسى عصاه ، فإذا هي حيّة أعظم من حيّاتهم ، ثمّ أخذت تزداد عظما حتى ملأت الوادي ، ثمّ صعدت وعلت حتى علّقت ذنبها بطرف القبّة ، ثمّ هبطت فأكلت كلّ ما عملوا في الميلين ، والنّاس ينظرون إليها لا يحسبون إلّا أنّه سحر ، ثمّ أقبلت نحو فرعون لتبتلعه فاتحة فاها ثمانين ذراعا ، فصاح بموسى فأخذها وهي عصا [ كما ] كانت ، ونظرت السّحرة فإذا هي لم تدع من حبالهم وعصيّهم شيئا إلّا أكلته ، فعرفت السّحرة أنّه ليس بسحر ، وقالوا : أين حبالنا وعصيّنا ؟ لو لم تكن « 1 » سحرا لبقيت « 2 »
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ
وخرّوا على الأرض بسرعة وشدّة ، كأنّه ألقاهم غيرهم حال كونهم
سُجَّداً
للّه خاضعين لعظمته وقدرته بعد ما رأوا من إعجاز العصا . قيل : ما أعجب [ أمر ] هم ألقوا حبالهم للكفر والجحود ، وألقوا نفوسهم للتّعظيم والسّجود « 3 » بعد ساعة ، فما أعظم الفرق بين القائلين ! و
قالُوا
في سجودهم بصوت عال :
آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى .
قيل : إنّما لم يقولوا بربّ العالمين ، لأنّ موسى وهارون دعياهم إلى الإيمان به ، وكيلا يتوهّم أنّ مرادهم فرعون ، لأنّه كان مربّي موسى عليه السّلام « 4 » . روي أنّهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنّة والنّار « 5 » . وعن عكرمة : لمّا خرّوا سجّدا أراهم اللّه منازلهم التي يصيرون إليها في الجنّة « 6 » . ثمّ قيل : لمّا شاهد فرعون إيمانهم بموسى عليه السّلام ، خاف من أن يقتدي بهم سائر الناس « 7 » ، فادّعى أنّ إيمانهم كان للتّباني مع موسى عليه السّلام ، ولذا
قالَ
توبيخا لهم
آمَنْتُمْ لَهُ
واتّبعتموه
قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
في الإيمان له ، مع أنّي ربّكم وأميركم ، وإنّما كان إيمانكم لأنّكم تلامذته و
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ
وأستاذكم
الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
فواطأتم معه على أن يظهروا العجز من أنفسكم عن معارضته ترويجا لأمره ، وتعظّما لشأنه ، وأداء لحقّ تعليمه . ثمّ هدّدهم بقوله
فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ
بأن أقطع من شقّ يدا ، ومن شقّ رجلا
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ
وأعلّقنّكم
فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
وعلى أصوله ، لتكونوا عبرة لغيركم
وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى
وأدوم نكالا أنا أو موسى ، أو أنا أو ربّه ، وفي كلامه هذا إيماء إلى أنّ إيمانهم لم
هامش
( 1 ) . في النسخة : لو كانت . ( 2 ) . تفسير الرازي 22 : 82 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 5 : 405 . ( 4 ) . تفسير الرازي 22 : 87 ، تفسير أبي السعود 6 : 28 . ( 5 و 6 ) . تفسير الرازي 22 : 86 . ( 7 ) . تفسير الرازي 22 : 87 .