تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وحزنه ، سلّاه سبحانه بقوله :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ
وقاتل أو متعب
نَفْسَكَ
الشريفة
عَلى آثارِهِمْ
ومفارقتهم حين فارقوك ، أو للتحسّر عليهم
إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا
القرآن الّذي هو أحسن
الْحَدِيثِ
وأفضل الكتب ، لأجل أنّك تأسف
أَسَفاً
وتحزن حزنا شديدا . وحاصل المراد أنّه تعالى شبّه حال نبيه صلّى اللّه عليه وآله في شفقته ورحمته على الأمّة بمن يتوقّع منه إهلاك نفسه من شدّة الحزن على مفارقة الأحبّة ، فسلّاه بأنّه لا يعظم حزنك بسبب كفرهم ، فإنّه ليس عليك إلّا الإنذار والتبشير ، لا إيجاد الإيمان في قلوبهم ، وإنّما المقصود من إرسال الرسل ، وجعل التكاليف ، والإنذار والتبشير ، امتحان الخلق وتميّز النفوس الطيّبة من النفوس الخبيثة ، فعامل معهم بالمداراة والامتحان كما نعامل معهم « 1 » .
إِنَّا جَعَلْنا
وخلقنا
ما عَلَى الْأَرْضِ
من المعادن ، والنباتات ، والحيوانات ، لأجل أن يكون
زِينَةً لَها
ولأهلها
لِنَبْلُوَهُمْ
ونمتحنهم
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
وأخلص عبادة ، وأزهد في الدنيا ، وأقنع بالكفاف منها ، وأيّهم أقبح عملا ، وأرغب في الدنيا ، وأحرص على جمع زخارفها . ثمّ أنّهم يكفرون ويتمرّدون ، ومع ذلك لا أقطع عنهم النّعم ، وأداري بهم « 2 » ، فأنت يا محمّد أيضا دار بهم ولا تترك - لحزنك على كفرهم ولجاجهم - دعوتهم إلى الحقّ
وَإِنَّا
بعد انقضاء الدنيا واللّه
لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً
وأرضا بلا نبات ، كما عن الباقر عليه السّلام ، أو خرابا ، كما عن القمي « 3 » . وعن السجّاد عليه السّلام : « أنّ اللّه لم يحبّ زهرة الدنيا وعاجلها لأحد من أوليائه ، ولم يرغّبهم فيها وفي عاجل زهرتها وظاهر بهجتها ، وإنّما خلق الدنيا وأهلها ليبلوهم أيّهم أحسن عملا » « 4 » .

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 9 ]

أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ( 9 )

ذكر أصحاب الرقيم

ثمّ استشهد على غاية لطفه بالمؤمنين المعرضين عن الدنيا طلبا للآخرة بقصّة أصحاب الكهف فقال :
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ
وساكني الغار الواسع في الجبل
وَالرَّقِيمِ
قيل : هو اسم كلبهم ، أو اسم قريتهم ، أو جبلهم ، أو الوادي الذي كان الجبل فيه ، أو اللّوح الذي كتب فيه أسماؤهم ونسبهم وترجمة أحوالهم « 5 » . وعن الصادق عليه السّلام « هم قوم فقدوا ، وكتب ملك تلك الديار بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم في
هامش
( 1 ) . كذا ، والظاهر : فعاملهم بالمداراة والامتحان كما نعاملهم . ( 2 ) . كذا ، والظاهر : وأداريهم . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 31 ، تفسير الصافي 3 : 231 . ( 4 ) . الكافي 8 : 75 / 29 ، تفسير الصافي 3 : 231 . ( 5 ) . تفسير البيضاوي 2 : 4 ، تفسير أبي السعود 5 : 206 ، تفسير روح البيان 5 : 218 .