تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
ثمّ لمّا كان القيام بالقسط ، والشّهادة بالحقّ ولو على النّفس ، وترك اتّباع الهوى منوطا بحقيقة الإيمان ورسوخه في القلب ، أمر اللّه سبحانه بتحصيل حقيقة الإيمان بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
في الظاهر وباللّسان
آمَنُوا
في الواقع ، وعن صميم القلب
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
بالتّوحيد والرّسالة
وَالْكِتابِ
المجيد
الَّذِي نَزَّلَ
اللّه بنحو ما
عَلى رَسُولِهِ
محمّد صلّى اللّه عليه وآله
وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ
دفعة
مِنْ قَبْلُ
أعظمه التّوراة والإنجيل ، وازدادوا في جميع هذه العقائد طمأنينة ويقينا . روي أنّ جماعة من أحبار اليهود جاءوا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقالوا : يا رسول اللّه ، إنّا نؤمن بك وبكتابك ، وبموسى والتّوراة ، وبعزير ، ونكفر بما سواه من الكتب والرّسل ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « بل آمنوا باللّه وبرسله ، وبمحمّد وبكتابه القرآن ، وبكلّ كتاب كان قبله » ، فقالوا : لا نفعل . فنزلت هذه الآية « 1 » . ثمّ هدّد اللّه سبحانه الكافرين بقوله :
وَمَنْ يَكْفُرْ
من النّاس
بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
من آدم إلى خاتم [ الأنبياء ]
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
ودار الجزاء جميعا ، أو بأحد من المذكورات
فَقَدْ ضَلَّ
عن صراط الحقّ
ضَلالًا بَعِيداً
عنه بحيث لا يكاد يصل إليه .

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 137 إلى 138 ]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ( 137 ) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 138 ) ثمّ بيّن أنّ الإيمان المطلوب المفيد هو الإيمان المستقرّ الثّابت ، بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله
ثُمَّ كَفَرُوا
به وارتدّوا كالمنافقين
ثُمَّ آمَنُوا
مرّة ثانية
ثُمَّ كَفَرُوا
وارتدّوا
ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
وأصرّوا على الجحود وإنكار الحقّ حتّى ماتوا عليه . قيل : إنّ المراد : اليهود ، آمنوا بموسى والتّوراة ، ثمّ كفروا بعزير ، ثمّ آمنوا بداود ، ثمّ كفروا بعيسى ، ثمّ ازدادوا كفرا بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله « 2 » . أقول : هذا التّفسير في غاية البعد وعلى أيّ تقدير
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ
أبدا
وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
إلى الحقّ والجنّة . عن القمّي رحمه اللّه : نزلت في الّذين آمنوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إقرارا لا تصديقا ، ثمّ كفروا لمّا كتبوا الكتاب فيما بينهم أن لا يردّوا الأمر في أهل بيته أبدا ، فلمّا نزلت الولاية وأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الميثاق لأمير
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 11 : 75 . ( 2 ) . تفسير الرازي 11 : 78 .