تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
ثمّ أنّه تعالى بعد التّنبيه على أنّ إيجاد الحسنات والسّيّئات كلّها بيده وعن إرادته ، نبّه على اختلاف أسبابها بقوله :
ما أَصابَكَ
أيّها الإنسان
مِنْ حَسَنَةٍ
من الحسنات ، ومن خير من الخيرات
فَمِنَ اللَّهِ
وبتفضّله وإحسانه ، أو بحكمة الامتحان
وَما أَصابَكَ
وورد عليك
مِنْ سَيِّئَةٍ
وبليّة
فَمِنْ نَفْسِكَ
وبسبب سيئاتك ومعاصيك ، وإن كان إيجادها أيضا من اللّه . عن الرضا عليه السّلام : « قال اللّه : [ يا ] ابن آدم [ بمشيئتي ] كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء [ و ] بقوّتي أدّيت فرائضي ، وبنعمتي قويت على معصيتي ، جعلتك سميعا بصيرا قويّا ، ما أصابك من حسنة فمن اللّه ، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ، وذلك أنّي أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيّئاتك منّي ، وذلك أنّي لا اسأل عمّا أفعل وهم يسألون » « 1 » . وعن عائشة : ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب ، حتّى الشّوكة يشاكها ، وحتّى انقطاع شسع نعله ، إلّا بذنب ، وما يغفر اللّه أكثر « 2 » . أقول : حاصل المستفاد من [ الآية ] الكريمة أنّ جميع ما يصيب الإنسان سواء أكان من الحسنات أو من السّيّئات ، فبإيجاد اللّه تعالى ، لا يشركه أحد في إيجاده . وأمّا سببها فما كان من الحسنات فبسبب التّفضّل ، وقابليّة الفيض ، وامتحان العبد ، وما كان من السّيّئات فبسبب استحقاق العقوبة على المعاصي الحاصلة بالشّهوات النّفسانيّة . ثمّ لمّا كان بيان هذا المطلب العالي بعبارة وافية من أدلّة الرّسالة ، أعلن سبحانه برسالته ، بقوله :
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ
جميعا العرب والعجم ، والأبيض والأسود
رَسُولًا
ومبلّغا عن اللّه ، والمعجزات التي أتيتها شهادة اللّه على رسالتك وصدقك
وَكَفى بِاللَّهِ
للنّاس
شَهِيداً
ومصدّقا ؛ فلا ينبغي لأحد التّشكيك في صدقك والخروج عن طاعتك .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 80 ]

مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ( 80 ) ثمّ أنّه تعالى بعد الاستدلال على رسالته ، أكّد وجوب طاعته بقوله :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ
في أوامره ونواهيه
فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
في الحقيقة ، لكونه مبلّغا عنه ، واللّه أمر بطاعته . قيل : إنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله كان يقول : « من أحبّني فقد أحبّ اللّه ، ومن أطاعني فقد أطاع اللّه » ، فقال المنافقون : لقد قارب « 3 » هذا الرّجل الشّرك ، إنّه ينهى أن يعبد غير اللّه ، ويريد أن نتّخذه ربّا كما اتّخذت
هامش
( 1 ) . الكافي 1 : 122 / 12 ، تفسير الصافي 1 : 437 عن الصادق عليه السّلام . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 2 : 206 ، تفسير روح البيان 2 : 242 . ( 3 ) . في تفسير أبي السعود والصافي : قارف .