تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
ثمّ نبّه سبحانه على أنّ الموت لا مناص منه ، تقصيرا للآمال ، بقوله :
أَيْنَما تَكُونُوا
أيّها النّاس ، وفي أيّ مكان تتمكّنوا
يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ
ويصيبكم الفناء
وَلَوْ كُنْتُمْ
متحصّنين
فِي بُرُوجٍ
وقصور حصينة
مُشَيَّدَةٍ
محكمة ، أو مجصّصة ، فإذا كان الموت لا بدّ منه ، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبا للسّعادة الأبديّة كان أولى . ثمّ أنّه تعالى بعدما ذكر تثاقل ضعفاء المؤمنين أو المنافقين عن الجهاد ، أردفه بذكر سوء مقالهم ، من بقوله :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
من سعة ونعمة وراحة
يَقُولُوا هذِهِ
الحسنة
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
ومن فضله
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
من جدب وغلاء وشدّة
يَقُولُوا
لك من غاية الجهل والحمق ، أو العناد :
هذِهِ
السّيّئة
مِنْ عِنْدِكَ
ومن شؤمك . قيل : كانت المدينة مملوءة من النّعم وقت مقدم الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، فلمّا ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك اللّه عنهم بعض الإمساك ، كما جرت عادته في جميع الأمم ، كما قال اللّه تعالى :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
« 1 » فعند ذلك قالت اليهود والمنافقون : وما رأينا أعظم شؤما من هذا الرّجل ، نقصت ثمارنا ، وغلت أسعارنا منذ قدم ، فقوله تعالى :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
يعني : الخصب ، ورخص السّعر ، وتتابع الأمطار ، قالوا :
هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
من الجدب وغلاء السّعر ، قالوا : هذا من شؤم محمّد . وهذا كقوله تعالى :
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ
« 2 » ، وعن قوم صالح قالوا :
اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ
« 3 » . ثمّ أمر اللّه بردّهم بقوله :
قُلْ
لهم
كُلٌّ
من الحسنات والسّيّئات
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
يقبض ويبسط على حسب الحكمة والإرادة . ثمّ بيّن اللّه شدّة حماقتهم بإظهار التّعجّب من قلّة فهمهم ؛ بقوله :
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ
ويفهمون
حَدِيثاً
من الأحاديث وقولا من الأقوال ، إن هم إلّا كالأنعام .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 79 ]

ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 79 )
هامش
( 1 ) . الأعراف : 7 / 94 . ( 2 ) . الأعراف : 7 / 131 . ( 3 ) . تفسير الرازي 10 : 188 ، والآية من سورة النمل : 27 / 47 .