ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر اصطفاء مريم بالكمالات النّفسانيّة والكرامات الفائقة ، شرع في بيان قصّة ولادة عيسى بقوله :
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ
وقد مرّ أنّ المراد خصوص جبرئيل - على ما قيل - :
يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ
ويسرّ قلبك بالإخبار
بِكَلِمَةٍ
تامة كائنة
مِنْهُ
ويفرحك بولد يهبه لك ، بإرادته التّكوينيّة التي يعبّر عنها بكلمة ( كن ) من غير مبادئ عاديّة
اسْمُهُ
عند اللّه
الْمَسِيحُ
قيل :
هو معرّب مشيخا بالعبريّة ، ومعناه : المبارك « 1 » .
والمراد من لفظ الاسم هنا ، ما يحكى عن ذات معيّنة ، ولو كان لقبا وأمّا علمه فهو
عِيسَى
قيل :
هو معرّب إيشوع « 2 » ، وكنيته
ابْنُ مَرْيَمَ
وهو يكون
وَجِيهاً
وشريفا
فِي الدُّنْيا
بمنصب النّبوّة ، ومطاعية النّاس ،
وَ
في
الْآخِرَةِ
بالشّفاعة ، وعلوّ الدّرجة في الجنّة ، ومعدودا
مِنَ الْمُقَرَّبِينَ
عند اللّه ، قيل : فيه إشارة إلى رفعه إلى السّماء « 3 » .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 46 ]
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 46 )
ثمّ بشّرها بكمال علمه بقوله :
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ
بكلمات الأنبياء الجامعة للحكمة والموعظة ، حال كونه طفلا كائنا
فِي الْمَهْدِ وَ
كونه
كَهْلًا
بالغا إلى كمال البشريّة ، من غير تفاوت بين الحالين ، وهذا من أعظم معجزاته .
بل نقل أنّه قالت مريم : إذا خلوت أنا وعيسى ، حدّثني وحدّثته ، فإذا شغلني عنه إنسان كان يسبّح في بطني وأنا أسمع « 4 » .
وفي ذكر أحواله المختلفة إشارة إلى أنّه بمعزل من الالوهيّة .
في نقل إنكار النصارى تكلّم عيسى في المهد وردّه
قيل : إنّ النّصارى أنكرت تكلّمه في المهد « 5 » ، ولو كانت هذه المعجزة لتواترت بينهم ، وكانوا أحقّ بمعرفتها من غيرهم ، ولا يمكن منهم إخفاؤها مع إفراطهم في محبّته ، حتّى ذهبوا إلى الوهيّته .
هامش
( 1 و 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 35 .
( 3 ) . تفسير أبي السعود 2 : 37 .
( 4 ) . تفسير روح البيان 2 : 35 .
( 5 و 6 ) . تفسير الرازي 8 : 52 .