تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
والشّرك ، وإنكار كلّ حقّ بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
وألحدوا
بِآياتِ اللَّهِ
ودلائل توحيده ، ومعجزات نبيّه ، من القرآن وغيره ، قد هيّأ
لَهُمْ
في الآخرة
عَذابٌ شَدِيدٌ
غاية الشّدّة ، خارج عن حدّ البيان
وَاللَّهُ عَزِيزٌ
غالب على أمره ، قاهر على خلقه
ذُو انْتِقامٍ
عظيم من أعدائه ، ومنكري توحيده ، ورسالة رسوله ، ودينه .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 5 إلى 6 ]

إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ( 5 ) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 6 ) ثمّ عاد سبحانه إلى الاستدلال على توحيد ذاته - الملازم لاستحقاقه العبادة دون غيره ، بسعة علمه ، وكمال إحاطته بجميع ذرّات الكائنات وخفايا أحوالها - بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ
من الأشياء ، وذرّة من الذّرّات ، وحال من أحوالها ، لا ما كان
فِي الْأَرْضِ
حتّى خطرات القلوب ، ومكنونات الضّمائر ، من التّوحيد والشّرك والإيمان والكفر ، والإرادات الحسنة والسيئة
وَلا
ما كان
فِي السَّماءِ
حتّى ضمائر الملائكة ، ومكتوماتهم . وفيه مزيد تهديد ، حيث إنّ القدرة الكاملة على العقوبة غير كافية في الرّدع عن المعاصي الخفيّة والعقائد السيّئة ، إلّا إذا علم أنّ المنتقم مطّلع على الخفيّات ، عالم بالسّرائر والمستورات . والتّعبير عن علمه بعدم خفاء شيء عليه ، للإشعار بأنّ علمه بالأشياء بحضورها عنده ، والإحاطة التّامّة القيموميّة عليها ، لا بالصّور الذّهنيّة ، فلا يشبه علمه علم المخلوقين . وفي ذكر الأرض والسّماء تأكيد لسعة علمه ، وتصريح بشموله ، ولدفع توهّم اختصاص علمه بخصوص ما في الأرض ، وفي تقديم ذكر الأرض إشعار بكمال الاعتناء بإحاطته بأحوال أهلها . وفي رواية محاجّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله مع وفد نجران : قال صلّى اللّه عليه وآله : « ألستم تعلمون أنّ اللّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السّماء ؟ ! » قالوا : بلى ، قال صلّى اللّه عليه وآله : « فهل يعلم عيسى شيئا إلّا ما علّم ؟ » قالوا : لا « 1 » . ثمّ أوضح سبحانه كمال قدرته ، وسعة إحاطته بقوله :
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ
ويخلقكم على هيئة خاصّة ، وشكل مخصوص ، وأنتم
فِي
مضائق
الْأَرْحامِ
وظلماتها الثلاث : ظلمة البطن ، وظلمة المشيمة ، وظلمه الرّحم
كَيْفَ يَشاءُ
لكم من الصّور ، من الذّكورة والأنوثة ، والتّمام والنّقص ،
هامش
( 1 و 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 3 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 575 | الشيخ محمد النهاوندي