و
الْقَيُّومُ
الذي بيده تدبير كلّ شيء ، فإذا حكم العقل بأنّ خالق العالم لا بدّ من أن يكون واجدا لهذين الوصفين ، حكم بفساد القول بكون عيسى إلها ؛ لضرورة حياته بعد موته ، وموته بعد حياته ، وعجزه عن الاستقلال بتدبير نفسه ، فضلا عن تدبير السّماوات والأرض وما فيهما .
وفي الرّواية السّابقة لمّا قالوا : فمن أبوه ؟ فقال صلّى اللّه عليه وآله : « ألستم تعلمون أنّه لا يكون ولد إلّا ويشبه أباه ؟ ! » فقالوا : بلى ، قال صلّى اللّه عليه وآله : « ألستم تعلمون أن ربّنا حيّ لا يموت ، وأنّ عيسى يأتي عليه الفناء ؟ » قالوا : بلى ، قال صلّى اللّه عليه وآله : « ألستم تعلمون أنّ ربّنا قيّوم على كلّ شيء يحفظه ويرزقه ؟ » قالوا : بلى ، قال صلّى اللّه عليه وآله : « فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ » قالوا : لا « 1 » .
وروي أنّ هذين الاسمين اسم اللّه الأعظم « 2 » .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 3 إلى 4 ]
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 3 ) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ( 4 )
ثمّ استدلّ سبحانه على انحصار استحقاق العبادة فيه ، بنعمه العظام التي أهمّها إنزال الكتب السّماوية لهداية البشر إلى العقائد الحقّة ، والمحسّنات العقليّة ، والمصالح الدّنيويّة ، بقوله مخبرا عن ذاته المقدّسة بأنّه
نَزَّلَ
نجوما وتدريجا
عَلَيْكَ
يا محمّد ؛ لهداية الخلق إلى يوم القيامة
الْكِتابَ
المجيد والقرآن المجيد .
قيل : عبّر سبحانه عنه باسم الجنس للإشعار بتفوّقه في الكمالات الجنسيّة كأنّه الحقيق بهذا الاسم دون غيره من الكتب .
ثمّ استدلّ على كونه منزلا من اللّه بكونه ملتبسا
بِالْحَقِّ
والعدل ، أو بالصّدق في أخباره ، التي من جملتها خبر التّوحيد ، وسائر المعارف ، وما فيه من الوعد والوعيد ، أو مقرونا بدلائل الصّدق ؛ من إعجاز البيان ، والإخبار بالمغيّبات ، والاشتمال على العلوم غير المتناهية ، مع كون من أتى به امّيّا ، حال كونه
مُصَدِّقاً لِما
نزل
بَيْنَ يَدَيْهِ
من الكتب السّماويّة ؛ حيث إنّه أخبر جميعها ببعثة نبيّ من ولد إسماعيل ، له نعوت وصفات خاصّة ، وكتاب ناسخ لسائر الكتب .
هامش
( 1 و 2 ) . تفسير أبي السعود 1 : 3 .