تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
بصوت يقرع ، ولا بنداء يسمع ، بل بصرف إرادته
فَيَكُونُ
ويوجد بمجرّد نفاذ قدرته ، ولا يحتاج في خلقه إلى فكر ، واستعانة بشيء ، وتحقّق مادّة ، ومضيّ مدّة ، فتمّ البرهان القاطع على امتناع أن يكون شيء ممّا سواه ولدا له ، حيث إنّ لازم الولادة هو الحدوث والمسبوقيّة بالعدم ، وكلّ مسبوق بالعدم مخلوق بإفاضة الوجود عليه من الواجب ، والمخلوق لا يعقل أن يكون ولدا لخالقه ، والوالد لا يمكن أن يكون موجدا ومالكا . ولذا احتجّ في مواضع من الكتاب العزيز على القائلين بأن اللّه ولدا بأنّ من في السّماوات والأرض عبيد له ، وأنّه إذا قضى أمرا يقول له : كن فيكون .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 118 ]

وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 118 ) ثمّ إنّه تعالى لمّا بيّن شركهم واتّخاذهم الولد للّه ، عقّبة بذكر شبهاتهم السّخيفة في النبوّة ، وإنكارهم لها عن تعنّت وعناد بقوله :
وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
من جهلة قريش والمشركين وسفهاء أهل الكتاب
لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ
كما تدّعي أنّه كلّم موسى في الطّور وكلّمك في معراجك
أَوْ تَأْتِينا
من السّماء .
آيَةٌ
من كتاب وصحيفة ، كما قال تعالى :
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً
« 1 » وقال :
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ
« 2 » . وتقرير الشبهة أنّ اللّه حكيم ، والحكيم إذا أراد الوصول إلى غرض لا بدّ أن يختار أقرب طرق الوصول إليه ، فإذا أراد اللّه تعالى هدايتنا ، فأقرب الطرق إليها أن يكلّمنا بنفسه مشافهة ، كما كلّم الملائكة والأنبياء فإنّه أقرب إلى التّصديق وأبعد من الشّكوك والشبهات ، أو ينزّل عليها كتابا يصرّح فيه بنبوّتك ، فردّ اللّه عليهم بقوله :
كَذلِكَ
القول السّخيف
قالَ الَّذِينَ
كابروا أنبياءهم
مِنْ قَبْلِهِمْ
من الأمم الماضية
مِثْلَ قَوْلِهِمْ
من التعنّتات والاقتراحات ، بل فاقوا عليهم بقولهم :
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
« 3 » وقالوا لعيسى :
هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ
« 4 » فهؤلاء والسّابقون عليهم من المصرّين على الكفر
تَشابَهَتْ
وتماثلت
قُلُوبُهُمْ
في العمى والعناد وعدم التفقّه ، لأنّ المكذّبين للرّسل طينتهم واحدة وأقوالهم وأفعالهم متماثلة .
قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ
الباهرات ، وأوضحنا صدقك بهذا القرآن الذي هو من أعظم المعجزات ،
هامش
( 1 ) . المدثر : 74 / 52 . ( 2 ) . النساء : 4 / 153 . ( 3 ) . النساء : 4 / 153 . ( 4 ) . المائدة : 5 / 112 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 318 | الشيخ محمد النهاوندي