تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
والوجه الآخر : اعبدوا الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلّكم تتّقون ، أي اعبدوه لعلّكم تتّقون النّار ، و ( لعلّ ) من اللّه واجب ، لأنّه أكرم من أن يعنيّ عبده بلا منفعة ، ويطمعه في فضله ثمّ يخيّبه ، ألا ترى كيف قبح من عبد من عباده إذا قال لرجل : اخدمني لعلّك تنتفع بي ، ولعلّي أنفعك . فيخدمه ثمّ يخيّبه ولا ينفعه ؟ فاللّه عزّ وجلّ أكرم في أفعاله ، وأبعد من القبيح في أعماله من عباده » . في بيان أنّ كلمة لعلّ في كلام اللّه مستعملة في معناها الحقيقي أقول : لا يبعد أن تكون كلمة لعلّ موضوعة للدلالة على صلاحيّة متعلّقة وشأنيّته ، لأن يرغب فيه ويترقّب وقوعه ، وعلى هذا يكون استعماله من اللّه حقيقة ، حيث إنّ الرّجاء الذي هو ملازم التّرديد والشّكّ ، يكون من اللوازم الغالبيّة « 1 » في النفوس البشريّة ، ثمّ فيه تنبيه على أنّ التقوى منتهى درجة الكمال ، وتخصيص الموجودين بالخطاب مع محبوبيّة التقوى من كلّ أحد إلى الأبد لأجل التغليب . ثمّ بعد ذكر النعم الداخليّة من الخلق والتربيه ، ذكر مهمّات النعم الخارجيّة التي كلّ واحدة منها كافية في وجوب العبادة ، بقوله :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً
وبساطا . عن ابن بابويه : عن العسكري ، عن آبائه ، عن السجّاد عليهم السّلام في تفسير الآية : « جعلها ملائمة لطباعكم ، موافقة لأجسادكم ، ولم يجعلها شديدة الحمي والحرارة فتحرقكم ، ولا شديدة البرودة فتجمدكم ، ولا شديدة طيب الرّيح فتصدع هاماتكم ، ولا شديدة النّتن فتعطبكم ، ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم ، ولا شديدة الصّلابة فتمتنع عليكم في دوركم وأبنيتكم وقبور موتاكم ، ولكنّه عزّ وجلّ جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به وتتماسكون ، وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم ، وجعل فيها ما ينقاد به لدوركم وقبوركم وكثير من منافعكم ، فلذلك جعل الأرض فراشا لكم . ثمّ قال عزّ وجلّ :
وَالسَّماءَ بِناءً
وسقفا من فوقكم محفوظا يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم . ثمّ قال تعالى :
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
يعني المطر ، ينزله من علا ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم ، ثمّ فرّقه رذاذا ووابلا وهطلا وطلّا ، لتنشفه أرضوكم ، ولم يجعل ذلك المطر نازلا عليكم قطعة واحدة فيفسد أراضيكم ، وأشجاركم وزروعكم وأثماركم . ثمّ قال عزّ وجلّ :
فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ
يعني ممّا يخرجه من الأرض رزقا لكم » « 2 » .
هامش
( 1 ) . كذا ، ولعلّه تصحيف الغالبة . ( 2 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1 : 137 / 36 .