تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
وقدرته وميله وشهوته ، بلا قسر ولا قهر ولا جبر ، مع أنّه قد يكون أكل ذلك الطعام قبيحا بالنسبة إلى الآكل لكونه غصبا ، وإيجاده بالمقدّمات الإرادية حسنا من اللّه تعالى لكونه مرتبطا بالنظام الأتمّ . ثمّ اعلم أنّ من العناوين القابلة للوجود المرتبطة بالنظام ، عنوان الطاعة والعبوديّة ، وعنوان الطّغيان والمعصية ، حيث كان الغرض من إيجاد الموجودات معرفته تعالى بأسمائه الحسنى ، وصفاته الجماليّة والجلاليّة ، فلو لم توجد الطّاعة والعبوديّة ، لم تظهر صفة لطفه ورحمته ورأفته ، ولو لم يوجد عنوان الطغيان والكفر ، لم تظهر صفة قهّاريته ، ولو لم يوجد عنوان المعصية لم تظهر صفة عفوه وغفوريّته ، فعلى هذا تتعلّق الإرادة التكوينيّة بإيجادها بتوسّط إيجاد أسبابها ومقدّماتها . ومن الواضح أنّ من جملة مقدّماتها جعل الأحكام التّكليفيّة والوضعيّة ، وإرسال الرسل وإنزال الكتب ، والوعد بالثواب ، والوعيد بالعقاب ، فتنشأ الأحكام طبقا للإرادات التشريعيّة التي هي عين العلم بحسن بعض الأفعال وصلاحه بالنسبة إلى المكلّف ، وقبح بعضها وفساده ، بالإضافة إليه على اختلاف مراتبهما من الحسن والقبح الملزمين وغير الملزمين ، وعلى اختلاف درجات الصلاح والفساد من المهمّ وغيره ، فبالإنشاء البعثيّ والزّجريّ الناشئ من تلك الإرادة التشريعيّة يحدث الوجوب والاستحباب ، والحرمة والكراهة . فظهر من ذلك الفرق بين الإرادة التكوينيّة والتّشريعيّة ، وأنّ الأولى : هي العلم بحسن الإيجاد ، وارتباط الموجود بصلاح النّظام الأتمّ . وأنّ الثانية : هي العلم بحسن صدور الفعل من فاعله وقبحه ، وصلاحه أو فساده بالنسبة إليه ، وأنّه لا تنافي بين قبح صدوره من مباشره وحسن التسبّب إليه من سببه ، وإنّه لا تنافي بين كونه اختياريّا بالنسبة إلى المباشرة واستحقاقه الثواب أو العقاب عليه ، وبين انتهاء وجوده بعلله الطوليّة إلى إرادة اللّه ، وإنّه لا تنافي بين كون إيجاده وصدوره متعلّقا بالإرادة التشريعيّة ، وتركه متعلّقا للإرادة التكوينيّة ، لما ذكرنا من أنّ الإرادة التشريعيّة في طول الإرادة التكوينيّة ، ومن مبادئ إنفاذها ، حيث إنّه لو لم تكن الإرادة التشريعيّة ، لم توجد الطّاعة والمعصية اللّتان تكونان متعلّقتين للإرادة التكوينيّة . في وجه الحاجة إلى ارسال الرسل وإنزال الكتب وأنّ الأحكام التكليفية ألطاف من اللّه تعالى واتّضح أيضا وجه الحاجة إلى إرسال الرّسل وإنزال الكتب وإظهار المعجزات وفوائدها . ثمّ لمّا كانت الأحكام التكليفيّة مقربات إلى المحسّنات العقليّة ، ومبعّدات عن