وقوله تعالى :
فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ
« الفاء » للإفصاح ، والاستكانة معناها كما أشار الراغب ، وبين الزمخشري : الانتقال من كون إلى كون ، وحال إلى حال ، فهي افتعل من كان ، أي فيما انتقلوا من الكون الذي هم فيه وهو الكفر إلى الكون الذي يدعوهم رسولهم إليه ، وهو الإيمان باللّه ورسوله
وَما يَتَضَرَّعُونَ
أي لم ينتقلوا إلى كون الإيمان ، وما اتجهوا بالضراعة الدائمة المتجددة للّه تعالى المستمرة شأن المؤمنين الضارعين لربهم ، وكان نفى المضارع لنفى تجدد الضراعة ودوامها في كل أحوال الشخص ، لا في وقت الشدة فقط .
وقوله :
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ
، معناها أخذناهم متلبسين بالعذاب ، أي أنه سبحانه أخذهم ، وهم في حال العذاب وأنقذهم ، ومع ذلك استمروا على كفرهم ، وأنهم يستمرون في غيهم حتى يجيئهم العذاب الذي لا يزول ؛ ولذا قال تعالى :
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
( 77 ) .
سار الزمخشري على المنهاج الذي ارتضاه في الآيات الثلاث ، وهو أن موضوع الآيات أهل مكة ، فذكر أن الباب الذي فتحه اللّه تعالى هو الجوع ، وذكر أنه أشد الأبواب .
ونحن على رأينا ، وهو أن الآيات وصف للمشركين في الشدائد تنزل بهم ، والكفر المستمر الذي يلابسهم في كل أحوالهم ، ويكون الباب الذي يفتح عليهم من العذاب ولا يغلق - يوم القيامة .
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ . . .
( 77 ) .
حَتَّى
هنا تقريعية لا غائية أي يتفرع عن هذا اللهو الذي هم فيه سائرون ، لا تنزع بهم الشدائد عن شرهم أن يفاجئوا إذا جاء باب من الشدة لا يغلق ، ولا يرجى أن يغلق ، وهو يوم القيامة ، وسماه سبحانه بابا ذا عذاب شديد ؛ لأنه كالباب الذي كان مسدودا ، ثم فتحه اللّه تعالى فلا يسد أبدا ، فهو باب ابتدأ بالبعث والنشور ، ثم ثنى سبحانه بالحساب وأعمالهم تنطق عليهم بآثامهم ، وإنها لتنطق