وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
( 15 ) .
الواو لاستئناف قصة نبيين من الأنبياء امتازا بتمكين اللّه تعالى لهما في الأرض بما لم يكن مثله لأحد من الأنبياء قبلهما ، فقد كان إبراهيم وأبناؤه من الأنبياء يقاومون الملوك الظالمين ، وقد رأينا فيما قصه اللّه تعالى علينا من قصة موسى كيف كان يقاوم فرعون ، وأتاه بتسع آيات بينات فما ارتدع وآمن ، حتى أغرقه اللّه ، فقال عند الغرق الآن آمنت برب هارون وموسى وبني إسرائيل ، وليست هذه توبة
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
( 18 ) [ النساء ] . أما داود وسليمان فقد كانا ملكين ، وإذا كانت الملوك الذين بعث فيهم الأنبياء صورة للعصاة المنحرفين عن الحق فقد كان داود وسليمان صورة عالية للملك الذي يخاطبه الوحي ويهديه ويرشده ، كما قال تعالى لداود :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
( 26 ) [ ص ] .
وقوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً
أكد اللّه سبحانه أنه أعطى داود وابنه سليمان علما ، باللام وبقد فإنها تدل على التحقيق ، ونكّر سبحانه
عِلْماً
للإشارة إلى أنه علم عظيم لا يقدر قدره ، فقد أعطى داود علم القيادة ، وعلم إدارة الدولة ، وعلم صناعة أدوات كما قال تعالى :
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ
( 80 ) [ الأنبياء ] وأعطى سليمان علم منطق الطير ، كما ستشير الآيات لذلك ، وعلم الابن ثمرته تعود على الأب ، فهو شخصه ممتد ، وكسبه كسب له كما هو مقرر بحكم الفطرة ، ولذلك حمدا اللّه على ما آتاهما من فضله :
وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
وكان التفضيل أولا بالعلم ، وثانيا بالسلطان والحكم ، وهذا يستوجب الحمد والشكر لا الظلم والطغيان ، ونقول إن اللّه أعطاهما الذي أعطاه ، وهو نعمة ، وتكليف ، فالمؤمن يحسب النعمة تكليفا ، والتكليف بالنسبة للحكام العدل ، وقد قص سبحانه وتعالى