ويوجهوهم ، ويهديهم اللّه تعالى بهم ، ولا يمكن أن يكون ملكا ، لأنه ليس من جنسهم ، ولا يمكن أن يكون قدوة ؛ لأن المقتدى يكون من جنس المقتدى ؛ لتتم القدوة ، ولا يكون هنالك ما يكون للقدوة من خواص يختص بها ، ولأن الرسول يدعو بعمله ، ويتبع في أعماله ، فلا بد أن يكون من البشر ليتبع في أعماله ، ولأن الناس قد يحال بينهم وبين مواجهته بمحاجزات من الملوك والرؤساء ، فلا بد من رفع المحاجزات ليخلو وجه الناس لهم .
لا بد أن يكون الرسل من البشر ، وإنهم يدعون الضعفاء والأقوياء ، ولا يتبعهم ابتداء إلا الضعفاء ، ولتمام الدعوة وسلامتها ، لا بد أن يعيشوا كما يعيش الضعفاء ، فلا يكونون ملوكا أو من حواشي الملوك ، وإذا كان بعض الأنبياء ذكر بالملك كداود وسليمان ، فقد كانوا ملوكا في سلطانهم الحق ، ولكن في عيشهم كانوا يعيشون كالضعفاء ، فداود عليه السّلام كان يأكل من عمل يده ، ولعل ابنه سليمان لم يكن من الملوك الذين يستقلون في معيشتهم عن رعيتهم ومن المؤكد أنه لم يكن ملكا مستعليا على رعيته ، ولا يعيش عيش ضعفائهم .
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
من هنا بيانية ، والمعنى ما أرسلنا قبلك من المرسلين
إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
، إنهم ليأكلون الطعام إلى آخره جملة حالية
إِلَّا إِنَّهُمْ
في حال يأكلون فيها الطعام أي ما أرسلناهم إلا والحال التي تحيط بهم أنهم يأكلون الطعام ، فتلك حالهم ، وبعض النحويين يقررون أن في الكلام محذوفا ( هذه صفته ) فذكرت الصفة مغنية عن الموصوف المقدر ، ويكون سياق القول ، وما أرسلنا إلا رسلا إنهم ليأكلون ، وأرى أن عد الجملة حالية أولى بالأخذ ، لأن ما لا يحتاج لتقدير أولى .
والخطاب في قوله تعالى :
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً
للناس أجمعين ، والفتنة أصلها ما يفتن به الفلز ، ليخرج منه الذي يعلق به ، وأطلق على ما تفتن به النفوس من جاه ومال ونفر ، وعلو في الأرض ، ومعنى
جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً
، جعل الأقوياء فتنة للضعفاء بإيذائهم ، والكافرين فتنة للرسل بعنادهم ،