تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4559

مساهمون:

ص٤٥٥٩
الكرامة ، ووصف اللّه العبد الصالح فقال :
آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
الرحمة النعمة ، والرحمة بالناس إذ يفعل ما يكون فيه صالحهم قابلا ، وإن لم يعلموه عاجلا ، والعلم الذي من لدن اللّه تعالى العلم بعواقب الأمور ، بالإدراك الباطني ، وقد وازن بعض المفسرين بين علم موسى ، وعلم العبد الصالح الخضر ، فقال : علم الخضر علم معرفة بواطن قد أوحيت إليه لا تعطى ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها ، وكان علم موسى علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم . والحق أنه يضاف إلى ذلك أن علم الخضر علم الأسباب في بواعثها ، وعلم موسى علم الأسباب في واقعها ، كما سنرى ذلك في المجاوبة التي كانت بينهما . طلب موسى عليه السّلام من أن يأذن له باتباعه ، فقال :
قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً
( 66 ) . سأل موسى عليه السّلام الخضر سؤال التلطف المستأذن في الاتّباع ، فلم يرد أن يظهر بمظهر المقحم لنفسه المتهجم بها ، وقد قال القرطبي : « هذا سؤال الملاطف ، والمخاطب المستنزل المبالغ في حسن الأدب ، المعنى : هل يتفق لك ، ويخف عليك » وهذا بلا ريب تعليم لآداب الصحبة أنها تكون باتفاق النفوس ، وتلاقى القلوب ، والاستفهام لبيان إرادة الاتباع في أبلغ أدب ، وبين سبب ذلك الطلب ، فقال :
عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً
، و
رُشْداً
مفعول ل
تُعَلِّمَنِ
، أي أتبعك على أن تعلمني رشدا مما علمت ، و
عَلى
تفيد الشرط ، أي أن هذا الاتباع لغاية ؛ ولذا كان شرطها أن تعلمني رشدا مما علمك الله تعالى ، وبنى الفعل للمجهول ؛ لأن المجهول في اللفظ معلوم في الحقيقة ، فقد سبق قوله تعالى :
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
وتوقع الخضر عليه السّلام ألا يصبر ؛ لأنه ستقع منه أمور غريبة في ظاهرها ، ولا يصبر أحد على الغريب من غير أن يتعرفه ، فقال تعالى :