وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً
( 60 ) .
موسى عليه السّلام هو موسى بن عمران المذكور في القرآن ، لأنه لم يذكر علم اسمه موسى سوى هذا الرسول الكريم ، ومن يقول إنه موسى غيره ، فهي دعوى بلا دليل ولا مصدر لها إلا ممن يشكك في القرآن بخلق أشياء لا أصل لها حول عباراته ، إبعادا لمعانيه عن المراد منها ، وقوله
لا أَبْرَحُ
، أي لا أترك السير
حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً
، وهذا يفيد أن المقصد الأول له أن يبلغ مجمع البحرين أو يسير حقبا ، أي زمنا طويلا ، أي ما شاء اللّه تعالى أن يسير ، ويظهر أن ذلك كان من موسى عليه السّلام لتعرف الأراضي والناس في مرتحله ، أو ليرتاد لبنى إسرائيل مقاما ، وقد سبقهم للارتياد ليكفيهم مئونته أولا ، ولينقلهم إليه بعد الاهتداء إليه وتعرفه ، وقد وصل إلى مقصده وهو بلوغ مجمع البحرين ، ولذا قال تعالى :
فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً
( 61 ) .
ومجمع البحرين الذي بلغه نبي اللّه تعالى موسى - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم - يكون في المكان الذي خرج إليه موسى من أرض مصر ، وقد خرج إلى سينا ، والأردن ، فهذه الأرض كانت المسار الذي يسير فيه ، وهنا مجمعان كانا في ذلك الزمان ، فكان هنا مجمع يلتقى فيه الخليج الفارسي بالمحيط الهندي وهنا مجمع يلتقى فيه البحر الأحمر أو بحر القلزم ببحر الأردن ، وهو خليج العقبة ولا يهمنا أيهما ، إنما يهمنا أن موسى عليه السّلام كان هدفه الوصول إلى مجمع البحرين أيهما في هذه المنطقة ، وقد يكون قد سار إلى كل واحد منهما في نوبة من نوبات سيره ، ويظهر أنهما في هذه الرحلة المتعرفة الباحثة التي يرتادها قد أعد للرحلة عدتها ، فأخذ معه حوتا ، يشويانه هو وفتاه في رحلتهما سدّا للجوع ، ولما بلغا مجمع البحرين تبين لهما أنهما تركا الحوت نسيانا له ولاشتغالهما بأمر الرحلة ، وتعرف طرائقها المعبدة ؛ ولذا قال تعالى :
فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما
والنسيان لم يكن وقت البلوغ ولكن تبين النسيان في ذلك ؛ لأنهما بحثا