إبادة ، ولكنها مغالبة ، ودفع الفساد ، فالقارعة التي تصيب الكافرين هزيمة منكرة ، تنزل بهم كالتي نزلت بهم ببدر ، والخندق ، وكأحد فقد رجعوا فيها إلى حنين من الغنيمة بالآيات ، وإن كان المسلمون توجهوا بهم قرع ، وكان تعليما ، وتوجيها ، كما قال تعالى :
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ . . .
( 140 ) [ آل عمران ] ، لكن قرحهم كان هزيمة ، وقرح المؤمنين لم يكن انهزاما ولا فرارا .
فالقارعة هي الهزيمة لا تزال تصيبهم مرة بعد أخرى ، أو تحل قريبا من دارهم ، في السرايا التي يبثها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقد كان يبقيها النبي صلى اللّه عليه وسلم حول مكة تدعو إلى الله ، وتنذرهم ، حتى كان صلح الحديبية ، وبه أمنوا على أنفسهم ، وأخذ الناس يدخلون في دين الله في مكة وغيرها .
وتلك القوارع ، والسرايا التي تحل قريبا من دارهم ، حتى يأتي وعد الله بالنصر الحاسم ، وأن تكون الكلمة للإسلام في البلاد العربية وما وراءها ، وهذا معنى قوله تعالى :
حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
.
وإن المشركين كانوا يستهزءون بالنبي صلى اللّه عليه وسلم في إبان نصرته ، كانوا في إبان مقامه في مكة ، وهم يحسبون أنه في قبضة أيديهم والله ناصره ، وخاذلهم ، ألم ترهم يقولون بعد حديث هرقل لهم في سؤاله عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لقد أمر أمر ابن أبي كبشة » .
وقد بين الله تعالى أن النبيين استهزئ بهم كما استهزئ به ، فإن من لا يدرك الحق يهزأ به ، ومن استغرقتهم المادة يستهزءون بأهل الحق ، والعالي والروح ؛ ولذا قال تعالى :
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ
( 32 ) .
اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ
جاءوا مبشرين ومنذرين من قبلك ، والاستهزاء يدل على جهل المشركين بما يستهزءون ، ونسيانهم فضل من يسخرون منهم ، ويدل أيضا على