وقد أشار سبحانه وتعالى إلى أنهم متضافرون في أسرهم ، فأسرهم في الجملة منافقة ، ولذا ذكر سبحانه وتعالى المنافقات مع المنافقين ، وقال تعالى :
بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
، أي أنهم لحمة متصلة يتغذى بعضهم بلبان النفاق من بعض ، فهم بيئة واحدة يغذيها لبن النفاق ، أو بالأحرى سمّه .
وقد ذكر سبحانه أحوالهم :
أولاها : أنهم ينشرون الفساد في الفكر والعمل ، فلهم رأى عام يخصهم يسوده الفساد في النفوس والأخلاق ، يشجع الرذيلة ويتهكم على الفضيلة ، وعبر سبحانه وتعالى عن ذلك بقوله :
يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ
يشجعون كل ما هو شر ، ويمنعون كل ما هو خير ، معروفهم منكر ، ومنكرهم هو المعروف ، وهكذا يقضى اللّه على بعض الجماعات الإنسانية بالشر ، كما نرى الآن من منافقى عصرنا ، فعدلهم ظلم وحريتهم اعتداء ، وشوراهم استبداد .
الثانية : أنهم غير متعاونين في ذات أنفسهم ، وفي جماعتهم فلا ينفقون في خير قط ، والشح يستولى على نفوسهم ، ولا يجعلون أنفسهم في وقاية منه ، بين تعالى في ذلك الوصف بقوله تعالى :
وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ
القبض ضد البسط ، وقبض اليد غلها عن الإنفاق ، فعبر عن عدم الإنفاق في موضعه بقبض اليد ، كما عبر عن الإنفاق في موضعه ببسط اليد ، كما قال تعالى :
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ . . .
( 64 ) [ المائدة ] .
الثالثة : أنهم ينسون الخير نسيانا ، فإذا ذكر لهم الخير تهكموا بصاحبه ، وقالوا مستهزءين متهكمين بمن يتكلم في الفضيلة ، وهذا عبر اللّه عنه بقوله :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
أي نسوا اللّه تعالى فلا تذكره قلوبهم ، ولا تطمئن به ، إن القلوب إذا نسيت اللّه لا تطيع أمره ، ولا تجتنب نواهيه ، ونسيان اللّه تعالى ألا يوفقهم لخير ، وأن يجعلهم منغمسين في الشر الذي اختاروه والضلال الذي أحيط بهم .